بقلم: أيمن المصري
من خلال رصد فعاليات الحملة التي نظمها تجمع الهيئات النسائية الإسلامية لمناهضة قانون العنف الأسري، ومن خلال متابعة متواضعة للنشاط الإلكتروني للحملة.. أسمح لنفسي بعرض بعض الملاحظات، مع التقدير الكامل للجهد المبذول.
1- يسجّل للجمعيات والشخصيات النسائية الإسلامية مبادرتها وتعاونها على قضية اجتماعية شرعية، وعلى تنسيق الجهود لإدارة عمل بهذه الأهمية. وللحق، فأن ترفض المرأة قانوناً أسرياً هي "المستفيدة" منه، أكثر جدوى من أن يواجهه الرجل.. كما أن رفض الرجل لقانون "ضد العنف" قد يفسر على أنه إقرار وتمسك بعنف الرجل ضدّ المرأة. ويسجّل لإدارة الحملة إدراكها أن القانون في حال إقراره سيهدم - على المدى البعيد - الأسرة بأكملها بما تحوي من رجل وامرأة وأبناء. وفي هذا السياق، أدعو أخواتنا الناشطات في الحملة لتجنب الوقوع في المزايدة على الرجل أنها تتحرك دفاعاً عن الأسرة دونه.
2- لا يسع الرجل إلا أن يوجّه التحية إلى كل امرأة آثرت على نفسها ورفضت مكاسب وامتيازات شخصية آنيّة، تمسكاً بمصلحة الأسرة واستقرارها.
3- لم تنجح الحملة في الوصول إلى الشرائح الاجتماعية غير الملتزمة دينياً لعرض رؤيتها عليها، فانحصر نشاط الحملة على ساحتنا الإسلامية، وعلا الصوت في منابرنا الإسلامية فقط، في حين انتشر صوت الطرف الآخر في مختلف الأوساط الشعبية والنخب المثقفة والمنابر الإعلامية العامة. وهنا كلمة لإدارة الحملة: مع أهمية التوعية في ساحتنا الإسلامية، لكن هذه الساحة معكم، سواءً انطلاقاً من الحكم الشرعي أو بسبب ولائها للجمعيات والمؤسسات التي تتبنى وجهة نظر الحملة. والصورة عملياً الآن أن أثر الحملة – عبر صفحات الفايسبوك أو الفعاليات الثقافية - هو كالصدى، يسمع صوته لنفسه. لا يكفي التركيز على الساحة الإسلامية والزهد بالمجتمعات الأخرى، مع إدراكنا أن هذا يحمّل الحملة عبئاً أكبر وأن جميع أفرادها من المتطوعات.. أعانكنّ الله.
4- كما سبق وأسلفت، فإن توعية ساحتنا الإسلامية أمر هام، وبديهي أن نبدأ به. لكن علينا أن نعي أن كل أخ وأخت يشارك في هذه الفعاليات هو بمثابة رسول يحمل الفكرة وينقلها إلى من حوله، ملتزمين وغير ملتزمين.. بالتالي، لا يجدي نفعاً أن تقتصر وسائل التوعية على الخطاب الشرعي (قال الله تعالى وقال رسوله الكريم…) فقط، فهذا خطاب نقبله نحن الملتزمين ونسلّم به حتى من دون أن نسأل لماذا شرع الله هذا.. لكن ماذا عن شريحة غير الملتزمين، ماذا عن الفئة التائهة وسط التيارين؟ لا يمكن إقناعها بهذا الخطاب، بل يجب مقارعة الحجة الاجتماعية بالحجة الاجتماعية.. الفكرة بالفكرة. ولتحقيق ذلك لا بدّ من الاستعانة بأخصائيين في علم الاجتماع وعلم النفس وبمستشارين تربويين لتظهير مخاطر القانون على الأسرة.. والأفضل أن يكون هؤلاء غير ملتزمين، فهذا أدعى لتقبّل الجمهور العام. واستكمالاً، أطرح سؤالاً برسم إدارة الحملة: ما المصلحة بإضفاء الهوية الدينية على الحملة؟ فلتتحرك دار الفتوى في الشأن الديني للمسألة، والمؤسسات والجمعيات تتحرك في الجوانب الأخرى.
5- لوحظ من خلال الفعاليات التي نظمها التجمّع أن الشريحة المتفاعلة غلب عليها العنصر النسائي، وهذه سلبية يجب استدراكها، قد يكون سببها ثقافة مجتمعية نشأنا عليها أن الرجل لا يلبّي أنشطة تدعو إليها جهة نسائية. وبغضّ النظر عمّن يتحمل مسؤولية هذه الثقافة، لكن على إدارة الحملة أن تبدع في إيجاد صيغة ما تراعي الثقافة الذكورية التي يعيشها مجتمعنا، لجذب اهتمام الرجل ومشاركته في أنشطتها. ولا أحسب المرأة تعجز في أمر كهذا.
6- إن طروحات الزواج المدني والعنف ضد الأسرة وإلغاء الطائفية وغيرها، هي عناوين متنوعة لكنها تتمحور حول ثقافة العلمنة ورفض الإدارة الدينية لأحوالنا الشخصية. وإن الترويج لهذه الثقافة - بعناوينها المتجددة – تقف خلفه مؤسسات مدنية واجتماعية متخصصة ومتفرغة، تدرس وتخطط وتعمل، ولا يتوقف عملها عند إقرار أو عدم إقرار قانون ما.. هذا الصراع جزء من سنّة التدافع المستمرة في الحياة. بالتالي، لا يمكن التعاطي مع هذه الطروحات بمنطق العمل الموسمي وردّات الفعل.
7- استكمالاً، الطرف الآخر يعمل على إدخال مفاهيم معينة في مجتمعنا تهدم قيماً وتشريعات نؤمن بها.. ومعلوم أن هدفاً كهذا لا يتحقق في شهر أو سنة أو سنتين، بل يكون نتيجة عمل تراكمي طويل المدى. بالتالي، علينا بالمقابل أن نعمل على مقارعة هذا الغزو الفكري من خلال تعزيز ثقافتنا الاجتماعية بخصوصيتها الإسلامية أولاً، وإنتاج أدبيات اجتماعية تحصّن ثقافتنا وتنبّه من خطر الثقافة الأخرى، بأسلوب بسيط وشعبي يخاطب جميع شرائح المجتمع، فكما سبق وقلنا: نريد إقناع غير الملتزمين أيضاً.
8- عندما نتحدث عن تعزيز ثقافة ومواجهة أخرى.. فإن من "الخفّة" الاقتصار على الأشكال التقليدية للتوعية (المحاضرة - الندوة - البرنامج الإذاعي - المنشور…). ولعل المراقب يلاحظ أثر الفنون في تشكيل الرأي العام وصناعة المفاهيم المجتمعية بشكل مباشر أو غير مباشر. نتحدث هنا عن الأغنية الشعبية، عن العمل المسرحي، أغاني الأطفال والفيلم القصير… إلى ما هنالك من وسائل تأثير.
9- إذا أردنا فعلاً أن نؤثر في المجتمع (عموم المجتمع) ولا نخاطب أنفسنا، فإنه يصعب الخوض في مجال الفنون والإعلام إلا مع الأخذ بالرخص الشرعية والفتاوى الميسرة. وأستسمح القراء عذراً لأتجرأ وأقول: قد لا يتوافق الورع واتقاء الشبهات مع المجالين الإعلامي والفني في عصرنا الحالي. ما دمنا نعمل في مساحة الحلال، لا بدّ من الأخذ بالرخص.. فنحن نخاطب مجتمعاً عاماً، نريد أن ندعو الآخرين لا أن ندعو أنفسنا.
10- إن مشاريع كهذه لا يمكن تنفيذها بالاعتماد على تبرعات زهيدة أو اشتراكات رمزية للجمعيات المشاركة – مع فضلها وبركتها -. إعداد مشاريع كهذه يتطلب دعماً مادياً تنوء بحمله جمعيات محلية. وهنا يأتي دور الرجل في توفير هذا الدعم. عندما نتحدث عن المحافظة على خصوصية أحوالنا الشخصية كمسلمين في هذا البلد، وعندما نتحدث عن مواجهة غزو ثقافي وفكري سيؤثر على مجتمعنا، إن هذا عمل دعوي بامتياز.. ولا أظن البذل في سبيل الله محصوراً بمراكز تحفيظ القرآن الكريم ومساعدة المساكين وإنشاء المساجد. على كبارنا ممن فتح الله عليهم من خيره، أن يولوا هذه المشاريع والحملات اهتمامهم وينفقوا عليها.. فهي عمل دعوي أيضاً.
11- من حق أيّ مجموعة من الناس أن تتبنى الفكرة التي تريد، فإذا كان شرعنا الحنيف قد رفض أن نكره الناس على الإسلام، على اختيار الديانة والمعتقد، فما بالنا بحرية التفكير. لا يمكن التشنيع وكيل الاتهامات لمجموعة من الناس تتبنى مفاهيم أخرى أو قيماً تخالف قيمنا وتشريعنا، إلا إذا عملت على المساس بها ومنعتنا من ممارسة شعائرنا وتعاليمنا الدينية.. فهنا سنعلي الصوت ونواجه ونقارع.
12- أخيراً، أسأل الله أن يتقبل عمل كل من يساهم في هذه الحملة، وأن يجزي كل أخ وأخت فيها خير الجزاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق