‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات إعلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات إعلامية. إظهار كافة الرسائل

5/08/2015

إعلامنا الذي نريد


بقلم: أيمن المصري

يمكن اعتبار التجربة الإعلامية للحركة الإسلامية في عالمنا العربي حديثة عهد، لا سيما في ميدانَي المرئي والمسموع.. ورغم التجارب المحدودة في بعض الأقطار، فإن الحركة لم تعمل حتى الآن – على حدّ علمي - على وضع قواعد ومحددات تضبط أداء مؤسساتها الإعلامية المختلفة، تلبّي احتياجات مشروعها الذي يتوجه إلى مختلف أطياف المجتمع.

ومع أن كل قطر له ظروفه وخصوصياته، سواء لجهة الحريات سقف العامة والمرونة في أخذ الأحكام الشرعية والإمكانات المتوفرة للحركة.. لكن ما يمكن أن يكون قاسماً مشتركاً بين مختلف التجارب، هو تلك الحالة الضبابية في تحديد طبيعة الخطاب الإعلامي الذي يجب اعتماده.

أحاول في هذه الورقة أن أثير نقاشاً هادئاً حول خطاب المؤسسات الإعلامية للحركة الإسلامية، آملاً أن تشكل هذه الأفكار نواة دراسة تأصيلية متخصصة في إعلام الحركة الإسلامية.

وتجدر الإشارة إلى أنني أتحدث هنا عن الإعلام في حالته الطبيعية، وليس المضيّق عليه أو الذي يعيش في بيئة حرب، أو لا يمتلك ترخيصاً قانونياً.


أسئلة لا بد منها
ليس غريباً أن يسعى كل حزب يعمل في الشأن العام ويتبنى مشروعاً لامتلاك منبر إعلامي، لما لوسائل الإعلام من قدرة كبيرة على التواصل مع الجمهور والترويج للفكرة.. لكن ثمة أسئلة مفصلية يجب الإجابة عليها عند التخطيط لإنشاء وسيلة إعلامية (مرئية أو مسموعة أو مكتوبة):

- ماذا نريد من هذا المنبر؟ (الرسالة)
- من نخاطب عبر هذا المنبر؟ (الشريحة المستهدفة)
- ما هو الخطاب الذي سنعتمده في أدائنا الإعلامي: حزبي - ديني – اجتماعي – ثوري...؟

لنبدأ باستعراض خيارات الإجابة على السؤال الأول، تاركاً الخيار الذي أراه الأنسب لمحور "أيّ إعلام نريد" في هذه الورقة.

ماذا تريد الحركة الإسلامية من وسيلة إعلامية تؤسسها في هذه المرحلة؟

1- أن تكون منبراً يدعو إلى الله وإلى الالتزام بأحكامه:
وهنا نقول: ما أكثر المحطات الدينية التي تقوم بهذا الدور، وهي أكثر تخصصاً وقدرة مالية، من فضائيات وإذاعات متخصصة بالقرآن الكريم أو العلوم الشرعية. فأين الإضافة التي ستشكلها هذه المؤسسة الإعلامية؟ وكيف سيؤدي هذا المنبر دور الدعوة إلى الله، فيما أغلب جمهوره من المسلمين، بل الملتزمين؟

أن تكون وسيلة استقطاب (القارئ أو المستمع أو المشاهد) للانضواء في صفوف الحركة:
نقول: هذا لم يرد في أيّ من أدبيات الحركة الإسلامية، والتي لو عدنا إليها لوجدنا الحديث عن "الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، فالمجتمع المسلم"، وليس المنتظم في صفوفها. فهل تريد الحركة الإسلامية تأسيس مجتمع "حركيّ" أم مجتمع مسلم يعيش حياته ضمن الضوابط الشرعية التي جعلها الله عزّ وجلّ؟

2- أن تكون وسيلة إخبارية سياسية (صحيفة – إذاعة – تلفزيون) متخصصة:
وهنا نقول: مهما اجتهدت وأنفقت هذه المؤسسة الإعلامية، فهي لن تستطيع منافسة المحطات الإخبارية المتخصصة، التي تمتلك شبكة واسعة من المراسلين وفريقاً محترفاً من المنتجين، وتغطي حركتها إمكانات مالية ضخمة.

3- أن تكون وسيلة تواصل بين قيادة الحركة وصفها الداخلي:
نقول: إذا كانت النسبة الأكبر من متابعي هذه الوسيلة الإعلامية هي من أبناء الحركة، وهم المقتنعون بفكرها ورسالتها.. فما حاجة هذه الوسيلة الإعلامية؟ هل نخاطب أنفسنا؟

وقبل التحدثعن النموذج الأنسب "ماذا تريد الحركة من إعلامها"، أتوقف عند الإجابة على السؤال التالي:

من تخاطب الحركة الإسلامية عبر منبرها الإعلامي؟ 


من نخاطب؟
· أبناء الصف 
· الساحة الإسلامية بمختلف أطيافها
· جمهور الطائفة التي تنتمي إليها الحركة (إذا كان البلد يتميز بتنوّع مذهبي)
· عموم أهل البلد

من الضروريّ جداً تحديد الشريحة المستهدفة، حيث يبنى عليه بعد ذلك طبيعة الخطاب، فكل فئة لها خطابها المختلف. ولا يفوتنا أن تحديد الشريحة المستهدفة يجب أن ينطلق من تصنيف هذه الحركة: هل هي تنظيم نخبوي منغلق (لظروف معينة)، أو تحمل صفة دينية وينحصر مجال عملها بساحتها الدينيّة؟ أو هي تمارس العمل العام (ومنها السياسة) فتتلاقى مع مختلف أطياف المجتمع في قضايا وطنية واجتماعية ومعيشية وسياسية... الخ.

وغنيّ عن القول أن من أكثر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها وسيلة إعلامية هي أن تخاطب نفسها، فتحمل الرسالة لمن يتبنى في الأصل هذه الرسالة.

من الصعوبة وضع قاعدة ثابتة تسري على مختلف الأقطار، أو حتى مختلف وسائل الإعلام في البلد الواحد. لكن لو أردنا أن نأخذ الحالة اللبنانية نموذجاً، فإنه يمكن القول أن الشريحة المستهدفة بالدرجة الأولى هي "المسلمون السنّة" في لبنان، بملتزميهم وغير الملتزمين، وهي البيئة الحاضنة للحركة الإسلامية، ويأتي في الدرجة الثانية مختلف أطياف وتنوعات الساحة الإسلامية. ومعلوم أن الحالة اللبنانية فريدة بالتنوّع الطائفي والمذهبي، حيث يشكل لبنان عدة مجتمعات داخل بلد واحد.

لا بدّ من التوقف عند دور الإعلام في خدمة مشروعنا الإسلامي، في محاولة للإجابة على سؤال: ماذا تريد الحركة الإسلامية من وسيلتها الإعلامية؟


أيّ إعلام نريد؟
ثمة مفاهيم يجب أن تكون واضحة لدى إدارة المشروع الإعلامي في الحركة الإسلامية، وفي مقدّمها: ما هو دور "الإعلام الإسلامي" في مجتمعاتنا؟

قد يفهم البعض من مصطلح "الإعلام الإسلامي" أنه ذاك الإعلام الديني المتخصص، الذي يترجَم بالتلاوات القرآنية والفتاوى والأحاديث النبوية والبرامج الدينية وقصص الصحابة وتفسير القرآن الكريم والمسلسلات التاريخية.

يعتبر د. عبد القادر طاش هذا التوصيف "مجحفاً وغير منطقيّ، ويحجّم هذا الإعلام ويفصله عن الواقع"، ويرى أن لهذه النظريات "أثراً خطيراً في حياة المسلمين؛ لأنها تفصل الإعلام بنشاطاته الواسعة وممارساته المتنوعة عن الهدي الإسلامي، وكأن هذا المفهوم يقترب من المفهوم الغربي العلماني في فصل الدين عن الحياة".

وعليه نقول: لا يمكن لنا أن نعيش هذه الحالة من الازدواجية في ممارساتنا اليومية، فينحصر إعلامنا في الشؤون التعبدية الدينية والروحية فقط، فيما نتحول إلى وسائل الإعلام الأخرى (الموجّهة أو غير الموثوقة أو غير المنضبطة) في بقية شؤون حياتنا، من السياسة إلى المعاملات المالية إلى الترفيه إلى الثقافة... الخ.

وهنا أستحضر النظرية الدعوية للدكتور محمد أحمد الراشد والتي أسماها "صناعة الحياة"، يدعو فيها إلى "منح العمل العام أهمية أكبر، والنزول إلى ساحة المجتمع وعموم الناس ما أمكن، ومحاولة ترك العزلة والانطواء فى المجتمع الخاص".

إن المجتمع ينتظر من العاملين للإسلام أن يحملوا وجع الناس، يخدموهم ويخففوا عنهم، لا أن يثقلوا عليهم بالوعظ والتوجيه...

مطلوب من إعلامنا أن يكون نبض الناس، فيسلط الضوء على مشاكلهم وقضاياهم المطلبية الاجتماعية والمعيشية والتربوية... الخ، وهذا الإعلام يعترف بالجمال والفنون واحتياجات النفس البشرية.

إن ما اصطلح على تسميته "الإعلام الإسلامي" ليس كلية شرعية ولا مسجداً للتربية، بل هو جزء من حياتنا اليومية التي نعيش، بأفراحنا وأتراحنا ووجعنا وقضايانا.

نريد الإعلام الذي يساهم في تعزيز مفاهيمنا الفكرية والدينية بأسلوب ممتع غير مباشر، ويؤدي رسالة متوازنة من خلال البرامج السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية.

.. الإعلام الذي يستشعر المسؤولية الكبيرة في هذه المرحلة التي تجري فيها شيطنة المشروع الإسلامي وتشويه صورة العاملين له، فيعرض الإسلام بصورته المشرقة، ويؤكد أن الالتزام بتعاليم الإسلام لا يعني العنف أو الإرهاب، وأن الإسلام دين سمح يحب الخير للجميع، ويدعو لحب الوطن والاندماج الإيجابي فيه، ويشدّد على قيمة الإنسان والحريات والعدل، وأننا كملتزمين دينياً نلتزم قوانين الدولة التي نعيش فيها ومؤسساتها، العسكرية والسياسية والاجتماعية...

.. إعلام يعمل على تنمية الحسّ الوطني لدى المواطنين، ويساهم في إعادة سلطان القيَم إلى المجتمع، وتغذية الوازع الديني في النفوس.

ليس مطلوباً من إعلامنا أن يعلّم الناس أمور الشرع وحدودها، بل أن يعينهم في شؤون حياتهم بما لا يخالف الشرع. وإذا كانت الحركة الإسلامية تتبنى شعار "القرآن دستورنا"، فإن ترجمته العملية هي في تطبيق أحكام هذا القرآن على مختلف شؤون الحياة، وليس الاقتصار بث الآيات القرآنية، على فضلها.

نحتاج إعلاماً يتبنى قضايا أمتنا العادلة، ويحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم "من أصبح ولم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم".. على أن يكون الهمّ المحلي والخطاب المحلي هو الأساس.

وأذكر هنا مقولة للمفكر الشيخ راشد الغنوشي يعبّر فيها بشكل مبسّط للمشروع الإسلامي: "نحن لا نمثّل الإسلام، أقصى ما نريده هو دكّانٌ نعرض فيه بضاعتنا، في هذه السّوق الحرّة".

وقبل أن أنتقل لفقرة الخطاب الواجب اعتماده، أود أن أتوقف قليلاً عند مصطلح "الإسلامي" في حديثنا عن الإعلام.


ماذا تعني "الإسلامي"؟
هل نعي أن هذه التصنيفات تساهم في عزل أصحاب المشروع الإسلامي عن مجتمعهم، وتغذي حالة انفصالنا نحن الملتزمين عن مجتمعاتنا؟ وكأننا فئة من خارج النسيج الاجتماعي لأهل البلد؟ أو كأن لنا عالماً خاصاً (فن إسلامي – إعلام إسلامي – اقتصاد إسلامي...).

أصحاب المشروع الإسلامي هم جزء من المجتمع، وإذا أساء البعض استخدام الفن – مثلاً - فتحول هابطاً، فهذا لا يعني أن أنفصل عنه وأشكل قسماً خاصاً للفن الإسلامي، أو إطاراً للإعلام الإسلامي.. كلانا يؤدي رسالة إعلامية، فإن تجرد هو من القيم والضوابط، فنحن لا نفعل. هذا هو الفرق فقط. وكلانا يندرج عملنا في الإعلام.

وأسأل: هل "الإسلامي" هو في الشكل أو المضمون؟ فحين نقول نريد المجتمع الإسلامي، هل يعني هذا أن يتحول أهل البلد إلى رجال دين، وإشارات السير يتحول شكلها إلى مآذن، ورنات المنبه باتت صلاة على النبي أو أذاناً؟ بالتأكيد لا.

يمكن أن يندرج تحت "الإسلامي" كل ما لا يتعارض مع الضوابط الشرعية. كل إعلام يخدم القيم والأخلاق هو يخدم رسالة الإسلام، وكل إعلام يخدم المجتمع فهو يخدم الفكرة الإسلامية.

دعونا نتحدث إذن عن الإعلام المجتمعي الملتزم بالضوابط الشرعية، أو هو إعلام القيم أو الإعلام الملتزم.. الملتزم برسالة. ولنخرج من عزلة "الإسلامي".

والآن ننتقل إلى النقطة الأخيرة والأهم وهي: ما هو الخطاب الذي يجب أن تتبناه المؤسسة الإعلامية التابعة لحركة إسلامية.


في خطابنا الإعلامي
سأحاول الإضاءة على عدة أفكار، دون الالتزام بمنهجية محددة، أرى أنه لا بدّ من التوقف معها عند الحديث عن خطاب المؤسسات الإعلامية للحركة الإسلامية:

1- الحركات الإسلامية تربي أفرادها على مفاهيم وقيم معينة، هي تربية خاصة لفئة خاصة من الناس، كي تعينهم في حمل عبء الدعوة وتحمّل مشاقها، سواء في الجانب التربوي أو التعبدي أو البدني، لكن الحركة في خطابها الدعوي العام (لاسيما عبر إعلامها) لا تسعى لتأسيس جيل حركيّ يحمل هذه المواصفات، بل لإنشاء جيل مسلم. علينا أن نعيَ حين نخاطب الجمهور العام أن "المجتمعات ليست هي الإسلاميين الحركيين، فليس كل المسلمين مؤمنين بتلك الأفكار، ولا غير المسلمين يطربون لتلك الهيمنة"، يقول د. جاسم سلطان. فما نطلبه لأنفسنا لا يحق لنا أن نلزم به الآخرين، ولا نتوقع أن يهتمّوا له.

2- كما سبق أن قلنا، إن الخطاب الحزبي المباشر لم يعد مقبولاً في عصرنا الحالي وهو لا يخدم الرسالة بل يدفع الجمهور إلى النفور منها. ورغم أن معظم المحطات الإعلامية لها خلفيات سياسية أو فكرية، لكن عليها أن تؤدي رسالتها بدهاء محترف، إلا في الملفات التي تتطلب موقفاً صريحاً واضحاً. وكلما نجحت المؤسسة الإعلامية "الحركية" بالتجرد من خلفيتها الحزبية دون أن تفقد هويتها، نجحت في كسر حواجز واختراق شرائح جديدة من الجمهور.

3- "لا يكفي أن تقول الحركة الإسلامية بأنها تطالب بالعودة إلى الإسلام كنظام وأن هذا هدفها، فالجمهور يسمع هذا الكلام من الجميع"، والكلام للدكتور عبد الله النفيسي. وهنا يكون الإعلام (لاسيما الإذاعي والتلفزيوني) فرصة للحركة كي تترجم هذا الشعار عملياً من خلال برامجها، حيث تتناول مختلف شؤون الحياة، بمختلف تفاصيلها اليومية.

4- على المؤسسة الإعلامية أن تتناغم في خطابها مع المشروع الذي تحمله الجهة المالكة، وهنا نتحدث عن الحركة الإسلامية، فالمؤسسة الإعلامية هنا تعكس المشروع الإسلامي بقوالب متنوعة بحسب طبيعة الوسيلة الإعلامية. وليس من الطبيعي أن تغرّد الوسيلة الإعلامية على هواها فيما التوجه الفكري – مثلاً – للحركة في مكان آخر. فإذا كان خطاب الجماعة يدعو إلى التعايش مع أفرقاء الوطن والتمسك بمؤسسات الدولة والمواطنة، فلا يمكن أن يكون خطاب مؤسستها الإعلامية يدفع إلى العزلة المجتمعية!

5- إذا كانت الحركة الإسلامية في مراحل وأقطار معينة قد مرّت بأزمات ومحَن، وواكبتها أدبيات اصطلح على تسميتها "أدب المحنة".. هذا الواقع يجب أن لا يأسرنا في خطابنا الدعوي والإعلامي. وإذا كانت هذه المآسي تعني أبناء الحركة الإسلامية، فلا يجب بمكان أن نفرض "ثقافة المحنة" على جهمورنا العام. وبمعزل عن نظرية تجاوز التاريخ وعدم التقوقع فيه، فإنه يجب على الإعلام أن يخاطب جمهوره بما يعنيه. 

6- والأمر نفسه في ما يخص ظروف الحروب التي مرت بها أمتنا، في لبنان أو فلسطين أو أفغانستان أو البوسنة أو سوريا... هذه محطات استثنائية، نتفاعل معها من منطلق الاهتمام بقضايا الأمة، لكنها ليست أصلاً، ولا يجب أن تكون هي الأساس في خطابنا الدعوي، فحالة السلم هي الأساس في الدعوة وليس الحرب. ونحمد الله أن منشدينا قد تجاوزوا "أدب المحنة" في إنتاجهم، فبعد أن كانت الأعراس والحفلات تنشد فيها "ثوار" و"أماه ديني قد دعاني للجهاد وللفدا"، لعدم توفر غيرها، بات مكتبتنا السمعية غنية بفنون الأفراح والزوجة والأم والطفل... الخ.

7- إنّ مسؤولية شرعية تقع على عاتق المؤسسة الإعلامية في خطاب جمهورها، وكل فعل سلبيّ ينتج عن أيّ تحريض ضدّ الدولة أو ضدّ طائفة أو حزب مثلاً، فإن المؤسسة الإعلامية تتحمل مسؤولية هذا العمل شرعاً وقانوناً، ومن خلفها الحركة الإسلامية.

8- من الصعوبات التي تواجه المؤسسة الإعلامية في عملية التخطيط، اختلاف أمزجة الجمهور تبعاً لاختلاف انتماءاتهم الحزبية أو الطائفية أو السياسية، أو حتى المناطقية.. والأصل أن الوسيلة الإعلامية تسعى للوصول إلى مختلف هذه الشرائح. إن إرضاء جميع الأذواق والثقافات غاية لا تدرك، وهذا يعيدنا إلى أهمية تحديد الشرائح المستهدفة، والنسب في توزيعها.

9- أيضاً من الصعوبات التي تواجه المؤسسة الإعلامية النجاح في المواءمة بين الحيادية المطلوبة في العمل الإعلامي وبين الرسالة التي تحملها المؤسسة الإعلامية، انطلاقاً من خلفيتها الفكرية أو السياسية، ما يدفعها للانحياز أحياناً. إن نظرية الحيادية المطلقة هي أكذوبة تدرّسها كليات الإعلام. الحيادية نسبيّة، والتحدي هو في تقديم رسالتك بمهنية.

10- إذا أردنا أن نكون إعلاماً مؤثراً متفاعلاً مع الجمهور (بمختلف أطيافه) ونتحلى بالحدّ المقبول من الحرفية، لاسيما في بلد منفتح ومتنوع كلبنان، إن هذا النمط يتطلب اعتماد مدرسة التيسير في الأحكام الشرعية، ويدعو إلى إعمال الاجتهاد من قبل أهل الاختصاص الشرعي – الإعلامي. ولذلك، لا يستحسن لمن يتولى السياسة التحريرية أو إدارة مؤسسة إعلامية عامة (غير دينية) أن يكون شخصية دينية، الأصل عندها اتقاء الشبهات.

11- إن فضاء حراك الوسيلة الإعلامية أرحب من فضاء الحركة في عملها السياسي، وهذ الميزة يجب أن تستفيد منها الحركة الإسلامية وتبني على ما تشقه لها مؤسستها الإعلامية في تواصلها مع الجهات السياسية والحزبية، وقد يكون منهم خصوم. 

12- إذا كانت الحركة الإسلامية تدعو إلى وحدة الصف والتعاون والتلاقي على الخير، فهذا يجب أن يترجم عملياً في وسائل إعلامها، حيث تفتح الباب لمختلف أطياف الساحة الإسلامية للظهور أو الإفادة من منبرها الإعلامي هذا، وعدم الاقتصار على تصدير رموزها فقط، مع ضرورة أن تستفيد الحركة من هذا المنبر لتدريب رموزها – بمختلف تخصصاتهم - على اللقاءات الإعلامية.

13- بهدف التزام المهنية، تتصدى وسيلتنا الإعلامية لمهمة نقل الخبر بتجرد. لكن علينا أن نعيَ أن القارئ أو المستمع لا يلجأ للاستماع إليك لمعرفة الخبر فقط، بل لمعرفة موقفك من هذا الخبر. فإذا غاب هذا الموقف – ولو بشكل غير مباشر – فقدت الوسيلة الإعلامية دورها ورسالتها.

14- لقد بات متاحاً الإفادة من برامج ومواد صوتية متوفرة بأسعار زهيدة أو حتى مجانية، لدعاة من جنسيات مختلفة، مصرية أو خليجية أو عراقية... يمكن أن تخفف عن إدارة المؤسسة الإعلامية عبء الإنتاج المكلف. لكن علينا هنا أن ننتبه أن اختلاف الثقافات واللهجات بين الشعوب وقد يكون اختلاف بعض الأحكام الشرعية، قد يشكل حاجزاً نفسياً لدى المتلقّي. وقد قال الله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم). إن هذا التقارب أدعى لأن يتقبله الناس. لذلك، على الوسيلة الإعلامية (المحلية) أن تصنع خطاباً محلياً بلسان محليّ وليس مستورداً، لأنها تخاطب بيئتها المحلية.

15- من واجب إدارة المؤسسة الإعلامية أن تسمع الآراء من مختلف الأطياف، لكن من حقها أيضاً أن تأخذ من هذه الآراء ما يتناسب مع منطلقاتها وأهدافها.


وأختم بالقول، إن كل تجربة لها خصوصيتها وظروفها، بحيث تجعل من الصعب وضع قواعد ثابتة لمختلف الحالات، وهذا ما دفعني إلى تجنّب الأمثلة الواقعية التي قد تنطبق على حالة دون الأخرى.
وهنا أدعو الأعزاء العاملين في الحقل الإعلامي وأصحاب الرأي، أن يثروا هذه الورقة بأفكارهم وملاحظاتهم وتجاربهم.. لعلنا نصل إلى دراسة متكاملة تفيد أداء المؤسسات الإعلامية للحركة الإسلامية.
أسأل الله أن ينفع بما قدمت.. وأن يلهم مؤسساتنا الإعلامية لتقدّم إعلاماً محترفاً، يرتقي إلى قيمة المشروع الإسلامي الذي تحمله.

بيروت 7/5/2015م

3/04/2014

في الأداء الإعلامي لساحتنا الإسلاميّة في لبنان -3


بقلم: أيمن المصري

في الحلقة الثالثة الأخيرة من هذه السلسلة، أتناول المحاور التالية:
المؤتمرات الصحفية - المادة المرسلة للإعلام - المنابر الخاصة - وسائل التواصل الاجتماعي


المؤتمرات الصحفيّة

1- في تعريف المؤتمر الصحفي، هو "اجتماع بين الصحفيين من جانب وشخص أو عدة أشخاص من جانب آخر لديهم أخبار تهمّ الجمهور ويريدون نشرها". وبالتالي فإن الهدف الأساسي من المؤتمر الصحفي الذي تنظمه "الهيئة" هو توصيل رسالة إعلامية إلى الرأي العام، وعليه فإن الجهة التي ينبغي تركيز العناية بها هي الإعلاميون (مصورون وصحفيون). لكننا أحياناً ننشغل بجميع الترتيبات: الضيوف، المتكلمين، المنصة، البرنامج، الخلفية، الضيافة... ويفوتنا أن نهتم بالإعلاميين، سواء لجهة التأكيد على حضورهم، ولجهة تأمين مساحة (ليست صغيرة) لكاميرات التلفزيونات، فضلاً عن أماكن جلوس لهم قريبة من المنصة لطرح الأسئلة، وتسليمهم نسخاً عن الكلمات، وإعانتهم في ترتيب اللقاءات الإعلامية... الخ.


2- عند حضور وسائل الإعلام لتغطية مؤتمر ما، ينبغي على الجهة المنظمة تكليف شخص يقوم على إرشاد المراسلين وتلبية احتياجاتهم، مثل إطلاعهم على برنامج الحفل، وتزويدهم بأسماء أبرز الشخصيات المشاركة، وتأمين أماكن جلوس لهم، وترشيح متحدثين باسم النشاط، فضلاً عن تسهيل المستلزمات التقنية. ومثل هذا التواصل المباشر يشكّل فرصة لتوطيد العلاقة بين المكتب الإعلامي والوسيلة الإعلامية، ينبغي اغتنامها. وكلما أحسنت معاملة الإعلامي في النشاط، انعكس على تقريره الصحفي عن نشاطك.. والعكس صحيح.

3- عند تنظيم المؤتمرات، يستحسن إعداد بيان صحفي يتضمن ملخصاً عن النشاط، فضلاً عن نصّ البيان الختامي الذي يجري توزيعه على المراسلين، وبهذا نقطع الطريق على خطأ يمكن أن يقع به الصحفي في النقل واجتهاداته في الصياغة. كما أنّ ذلك أدعى لسرعة نشر الخبر بصيغة رسمية معتمدة.

4- وتأكيداً على نقطة ورد ذكرها، ينبغي الإبداع في اختيار الزاوية التي تقنع الوسيلة الإعلامية لحضور المؤتمر وتغطيته.


المادة المرسَلة للإعلام

1- ثمة تقنيات وشكليات في المادة الصحفية المرسلة، تعطي الجهة المستقبلة (الوسيلة الإعلامية) انطباعاً سلبياً، أو إيجابياً احترافياً عن "الهيئة". وأورد هنا بعض القواعد الواجب اتباعها في المادة الصحفية المرسلة إلى وسائل الإعلام:

· استخدام عنوان بريدي (E-Mail) من "Domain Name" خاص بـ "الهيئة"، فمن غير المقبول أن ترسل البيانات أو الأخبار من عناوين عامة متاحة للجميع (Hotmail – Yahoo – Gmail…). 

· اعتماد اسم (Username@...) رسمي يدلل على وجود مكتب إعلامي متخصص (News / Media@…)، وتجنّب استخدام الأسماء الشخصية (Aboahmad/Ali@...)

· تذييل الرسالة بالتوقيع الرسمي المتعارف عليه في الرسائل الإلكترونية (Signature)، يتضمن رقم الهاتف والفاكس، في حال أرادت الوسيلة الإعلامية مراجعة الجهة المرسلة. فضلاً عن أنها وسيلة لنشر رقم المكتب الإعلامي لـ "الهيئة"، تساعد وسائل الإعلام على توثيقها.
 · تلجأ بعض الهيئات لتختيم الصور المرسلة بعنوان صفحتها على "النت" أو اسم "الهيئة"، ظناً منها أنها تحفظ حقها في النشر، أو طلباً في الترويج، لكن عملياً فإن الوسيلة الإعلامية (صحيفة – موقع...) ستهمل الصور المختّمة، لأنها تعتبرها حركة دعائية لـ "الهيئة". المواد المرسلة إلى الوسيلة الإعلامية (صور أو فيديو) يستحسن أن تكون خالية من أيّ شكل من أشكال الدعاية (CleanFeed).

· سهّلت الكاميرات المتوفرة في هواتفنا الذكية من عملية تصوير الأنشطة والفعاليات ثم إرسالها عبر "الواتسآب". لكن لا يمكن تعميم صور نشاط على وسائل الإعلام بالجودة المتدنّية المعتمدة في "الواتسآب"، فالصحافة المكتوبة تلتزم معايير فنيّة معينة للصورة، وكذلك الفضائيات بالنسبة للفيديو.

· الأخطاء اللغوية أو المطبعية، وكذا كتابة الخبر على صفحة عادية بدون الترويسة الرسمية للجهة المرسلة، وتنسيق شكل الكتابة... هذه كلها تعكس صورة (احترافية أو سطحية) عن الجهة المرسلة، فتحترم الوسيلة الإعلامية تلك المادة وتتعاطى معها بإيجابية مهنية، أو تهملها وتتعاطى معها بخفّة.

· من الضروري جداً تضمين البيان أو التصريح تاريخ الإصدار، فهذا أمر تتوقف عنده وسائل الإعلام لاسيما عند تسارع الأحداث وتداخلها. والأهم من ذلك عند الرجوع إليه في الأرشيف.

· عند التغطية الخبرية لنشاط أو فعالية ما، علينا الخروج من الصياغة الحزبية إلى الصياغة الخبرية المهنية، فنتجاوز مفردات متعارف عليها داخل "الهيئة"، مثل: "الداعية، فضيلة، الأخ المجاهد، حفظه الله..."، أو تضمين الخبر فقرات لا تهمّ القارئ (كالافتتاح بالتلاوة القرآنية والنشيد الوطني، والاختتام بالدعاء أو توزيع الحلوى)، أو عبارات مثل (بفضل الله ومنّه، مبارك للأخ فلان...). هذه التفاصيل لا تعني القارئ ولا تضيف شيئاً إلى الخبر، وكذا الأمر بالنسبة إلى ذكر أشخاص ضمن الحضور يتولون مواقع تنظيمية داخلية غير معلنة (عضو مجلس شورى، أو عضو مكتب عام أو هيئة استشارية). والطامة الكبرى عند الامتناع عن ذكر اسم الأخت المشاركة في النشاط، فيشار إليها بـ "أم فلان"، وكأن اسمها عورة لا يسمح بكشفه.

· عند إرسال الخبر لوسائل الإعلام ينصح المختصون بالحرص على كتابة كل عناصر الخبر في الفقرة الأولى منه، وذلك تحاشياً لاقتطاع الخبر، فنكون بذلك قد ضمنّا نشر ما يهمنا من الخبر. أما في الفقرة الثانية فيمكن ذكر تفاصيل النشاط وبعض مضامين الكلمات أو الفقرات...

· من المهم للمكتب الإعلامي أن يلعب دور الصحفي في الأنشطة الداخلية، فيجري المقابلات مع مسؤولي النشاط، ويأخذ بعض الكلمات من الحضور، ويدرجها في نص الخبر الذي ينشر على المنابر الإعلامية الخاصة لـ "الهيئة".

· أيضاً في مسألة نشر البيان أو التصريح، تلجأ بعض المكاتب الإعلامية إلى نشر بيان الحزب نصاً (Text) عبر "الواتسآب"، لكن علينا الانتباه إلى أن هذا الشكل في النشر يقلّل من مصداقية وتخصصية هذه الجهة في العمل الإعلامي، فضلاً عن إتاحة المجال لأيّ شخص في تعديل النص بكل بساطة، أو لربما يسقط منه سطر، فيجري تحريفه.. إن العمل الإعلامي الاحترافي يفرض عند اعتماد هذه الوسيلة – إلى جانب الوسائل الأخرى - توزيع البيان بصيغة الصورة، فهذا أدعى لحفظ النص كما هو، ويعطي صورة مؤسسية عن الجهة المرسلة.


المنابر الخاصة

في جميع المحاور السابقة، كنا نتحدث عن تعامل المكاتب الإعلامية للهيئات مع وسائل الإعلام. لكن لا شك أن لكل "هيئة" في لبنان منابر إعلامية خاصة، تتنوع بين المسموع (إذاعة) أو المكتوب (جريدة أو مجلة) أو الإلكتروني (مواقع وصفحات تواصل اجتماعي). وهنا تطرح إشكالية الخطاب الذي ينبغي اعتماده في هذا المنبر الخاص، لاسيما السياسي، هل يكون خطاباً حزبياً مباشراً، أو عاماً متنوّعاً. يمكن القول: من المهم وجود منبر رسمي لـ "الهيئة" (مثل: موقع هيئة علماء المسلمين على الإنترنت أو موقع الجماعة الإسلامية)، وهذا المنبر يعكس بشكل صريح وواضح الموقف الرسمي لـ "الهيئة" ويبرز حركتها وأنشطتها.. مثل هذه الصفحات تتبنى الخطاب الحزبي المباشر، وهذا ليس عيباً في علم الإعلام، فهذه الوسيلة الإعلامية تكون مرجعاً لكل باحث أو وسيلة إعلامية، يجد فيها أدبيات الهيئة ومواقفها وحراكها، وبطبيعة الحال من المفيد تطعيمها بمقالات ومختارات صحفية ومواد إعلامية متنوعة لا تتعارض مع نهج "الهيئة". لكن الاقتصار على هذا النوع من الإعلام لا يكفي، فالتحولات المتسارعة التي عرفها العالم في المجال الإعلامي، والدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تحريك الشباب لاسيما في ملف ثورات الربيع العربي.. هذا كله يؤكد على أهمية خلق مساحات إعلامية تفاعلية مع الجمهور، تتجاوز الخطاب الحزبي الضيق، وتتبنى خطاباً حوارياً منفتحاً.

لذلك تنشئ "الهيئة" منبراً إعلامياً لا يحمل اسمها، يؤدي وظيفة دعوية أو سياسية أو عامة. وحرصاً من إدارة المنبر على إثبات مهنيّته ونفي حزبيّته، قد تقع في فخّ غياب الهوية.. أو أنها في سبيل كسب جمهور أوسع من ساحتها تتجاوز ثوابت فكرية أو شرعية أو سياسية. ويغيب عن "الهيئة" أنها بالأساس قد أنشأت هذه الوسيلة الإعلامية لإبراز الموقف الإسلامي (أو الحركي) من قضايا الأمة، فضلاً عن قضايانا الداخلية اللبنانية. ويغيب عن "الهيئة" أيضاً أن القارئ يرجع إلى هذه الوسيلة الإعلامية بالدرجة الأولى لمعرفة رأي "الهيئة" مما يجري وليس لمعرفة ما يجري. فالتجرّد هنا غير محمود، لاسيما في الملفات الفكرية والسياسية. لا يمكن أن نكون حياديّين في العناوين التالية مثلاً: (ثورات الربيع العربي، حقوق المسلمين في لبنان، دفع شبهة الإرهاب عن الساحة الإسلامية، الزواج المدني...).

ولو رصدنا المنابر الإعلامية للأحزاب في لبنان، لوجدناها تستغلّ منابرها بشكل واضح للتعبئة الثقافية والشعبية، ولتشكيل رأي عام في بيئة هذه الأحزاب. فلماذا نريد أن نكون وحدنا حياديّين؟ إذا تبنّينا الحيادية فقدنا الرسالة التي من أجلها أنشأنا الوسيلة الإعلامية. وبالتالي، يكون علينا تبنّي صيغة الحياديّة الموضوعية. الإبداع هو في تقديم الموقف بطريقة غير مباشرة.


وسائل التواصل الاجتماعي

"إذا كنت لا تتواصل مع وسائل الإعلام الاجتماعي (Social Media) فإنك تستبعد قطاعاً كبيراً من الجمهور، وإذا لم تتواصل إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي فقط فإنك تستبعد قطاعاً كبيراً من الناس". هذه المقولة لأحد المتخصصين في الإعلام تدلّل على أهمية هذه المساحات المشتركة مع الجمهور، والتي باتت تشكل مجتمعاً خاصاً، إذا أحسنّا استغلاله فإنه يساعدنا في التواصل والتفاعل مع ساحتنا فضلاً عن المجتمع. وأحسب أن هيئاتنا الإسلامية طرقت هذا الباب، ويجتهد بعضها في توظيف هذه الأدوات لنشر الفكرة والتواصل. لكن يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

1- من المفيد لـ "الهيئة" أن تعيَ أن هذه المواقع (Platforms) ليست لمجرد إثبات الوجود أو نشر الدعوة فقط، وإنما لو أحسنّا توظيفها فإنها يمكن أن تحقق أهدافاً مهمة، منها:
· حضور إعلامي لـ "الهيئة" في فضاء بات مكوّناً أساسياً في تشكيل الرأي العام.
· مرجع لكل وسيلة إعلامية أو باحث في مواقف "الهيئة" وحراكها السياسي أو الاجتماعي أو الإغاثي...
· تلمّس مزاج شريحة مهمة من الصف الداخلي، فضلاً عن المجتمع.
· تظهير الحراك السياسي والدعوي لـ "الهيئة" وواجهاتها المتعددة.
· توفير مساحة تواصل بين "الهيئة" وساحتها الإسلامية، فضلاً عن الجمهور العام.
· توفير مساحة تواصل وحوار بين أبناء صف "الهيئة".
· الردّ على شبهات مثارة حول "الهيئة".

وبالتالي، فإنه من الخطأ الكبير خسارة هذه المكاسب، واختزال الفائدة في نشر الأحاديث والأدعية والصور والأقوال المأثورة... الخ.


2- وللتأكيد على الفكرة أكثر، أقول إن مصطلح "وسائل التواصل الاجتماعي" يقتضي وجود طرفين يتواصلان مع بعضهما، يرسلان ويستقبلان. بالتالي، من الخطأ تقوقع صفحات التواصل الاجتماعي للهيئات على الإرسال والتلقين فقط. ولعلّ التفاعل هو أهمّ ما يميّز وسائل الإعلام الجديد عن التقليدي.

3- معلوم أن ثورة التكنولوجيا كسرت حواجز الجغرافيا في النشر والتواصل. وبات من هم في الخليج أو كندا أو أفريقيا يتابعون أخبارنا ويعلقون عليها ويتفاعلون معنا. وقد أحسن من أطلق الوصف "العالم بات قرية صغيرة". لكن بعض الهيئات ما زالت مصرّة على قوقعتها، فإذا بها تنشئ لكل مدينة في لبنان كياناً إعلامياً (صفحة فايسبوك مع توابعها من تويتر ويوتيوب...)، وبدل أن تقدّم الهيئة نفسها للخارج، فضلاً عن وسائل الإعلام، بأنها جسم كبير ممتد على أرض لبنان، بمؤسسات وواجهات وحملات وأنشطة، إذا بها تخرج بكيانات صغيرة، فيظهر ضعفها وتشتتها.. وبطبيعة الحال هذا ما سيضعف الصفحة المركزية لـ "الهيئة".

4- مواقع التواصل الاجتماعي لا تُغني عن الموقع الإلكتروني الرسمي (Website)، إذ يُعتبر هو المرجع الرسمي لكل من أراد أن يعلم أكثر عن "الهيئة" ويتأكد من مصداقياتها، وخاصة إن كان أحد جوانب عملها خيرياً أو إنسانياً بحيث يتطلب التبرع "Online".. فضلاً عن أن الموقع يتيح نشر التفاصيل والجداول بشكل أفضل من صفحات التواصل الاجتماعي، التي يستحسن معها اعتماد الإيجاز.

5- لكل موقع من مواقع التواصل خطابه الخاص ولغته الخاصة ومطلحاته الخاصة، بحيث قد لا تتناسب لغة موقع مع لغة موقع آخر، ومن الضروري أن تتمّ مراعاة هذا الأمر بين مختلف المواقع. وهنا قد يقع البعض في فخّ "المبالغة بالرسمية في الخطاب" لأنّه يمثّل جهة رسمية، بينما جُعلت مواقع التواصل الاجتماعي لتقريب المسافات بين "الهيئة" وجمهورها بشكل "تواصل" وبشكل "اجتماعي".

6- كثيراً ما يهمل مسؤولو مواقع التواصل الاجتماعي الردود على أسئلة متابعيهم أو تعليقاتهم، ومن هذه التعليقات ما يتضمّن ذمّاً أو شتائم أو شبهات، مما يتطلب مراقبة مستمرة وفق دوام دوري محدد مسبقاً، لحذف التعليقات غير المناسبة أو الردّ عليها والتوضيح.

7- من المهم لمسؤولي الصفحات التابعة لجهات سياسية أو حزبية أو مهدّدة بخطر أمني ما أن يحتاطوا بشان حساباتهم الذين يديرون من خلالها هذه الصفحات، بحيث يرفعون مستوى الخصوصية فيها ويؤّمنونها بشكل جيد (High Level Security) بما يجعلها صعبة الاختراق. كما من الأفضل أن يكون لهم حسابات سرّية خاصة يديرون من خلاها هذه الصفحات، وليس حساباتهم الشخصية.

8- يتوقّع البعض أن مسؤول المكتب الإعلامي عليه أن يتابع العمل التنفيذي على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين أن هذه المواقع تتطلب وقتاً خاصاً لمتابعتها. فمن الأفضل أن يكون المسؤول الإعلامي مشرفاً أو مديراً على مواقع التواصل لا عاملاً أساسياً فيها إلا عند الحاجة.

9- يظنّ البعض أنّ على "الهيئة" أن تحضر إعلامياً على كافة منابر التواصل الاجتماعي، لكن يغيب عن المسؤولين الإعلاميين رصد تواجد جمهورهم وتفاعلهم. فلربما أنشأت هذه "الهيئة" منبراً على "Instagram" مثلاً، ثم اكتشفت فيما بعد أنّها لم تكن بحاجة له بسبب عدم تواجد جمهورها عليه، (وقد يعود سبب غياب التفاعل عدة أمور أبرزها التطور التكنولوجي للبلد وانتشار هذا المنبر، مع العلم أنّ هذا الوضع قابل للتغيير).


10- من المهم عدم الربط التلقائي بين مختلف المنابر الاجتماعية، حيث إنّ المتابع يعلم بأن الربط تلقائي فيخفّ تواصله مع "الهيئة" عبر منبرها (التلقائي)، كما يحصل عادة عند الربط بين "فايسبوك" و"تويتر"، أو "تويتر" و"انستاغرام" أو "يوتيوب" و"تويتر" وغيرها...

11- في خضمّ الأعمال والمهمّات المطلوبة من مسؤولي المكاتب الإعلامية، قد يغيب عن البعض ضرورة مراقبة تطوّر صفحاتهم الاجتماعية من حيث زيادة أو نقصان متابعيهم وكيفية تواصلهم ومتوسط أعمارهم وانتماءاتهم الجمرافية وجنسهم وأوقات تواجدهم على الصفحة وغيرها من المعلومات بما يُعرف بـ "Insights" أو "Analytics". وهذه النقطة هامة جداً للإدارات العليا في "الهيئة" التي تطلب تقارير دورية عن تطوّر الأعمال والإنجازات.


في الإعلام الإغاثي

1- لبنان بلد حيوي متحرك لا تهدأ فيه الأزمات، وقد اعتاد شعبه على التفاعل مع الكوارث والأزمات الخارجية، فتنشط فيه حملات الدعم والإغاثة، سواء لأهلنا في غزة أو سوريا أو في لبنان.. لكن هذا الواقع لم ينعكس – للأسف – تخطيطاً إعلامياً استراتيجياً في الهيئات الإسلامية، فعند وقوع الأزمة نلحظ تخبّطاً إعلامياً في إدارة الملف يمتدّ لشهور عدة. والأولى إعداد خطة إعلامية جاهزة للأزمات الطارئة، وأحسب أن البنود المشتركة في الخطة الإعلامية لمختلف أنواع الأزمات تتجاوز الـ 70 %.


2- فرضت أزمة اللاجئين السوريين في لبنان اهتماماً خاصاً من الجمعيات الخيرية في لبنان، فتكون هي صلة الوصل بين أهل الخير وبين أهلنا اللاجئين. وهي في سبيل توثيق عملها تقوم بتصوير حراكها الإغاثي والخيري. لكن يفوت بعض هذه الجمعيات اعتبارات إنسانية تتسبب بالأذى لهذا الرجل – مثلاً - الذي جاء منكسراً ليستلم الغطاء أو الفراش أو الحصة الغذائية، فتقوم الجمعية بتصويره في هذا الموقف غير الكريم، وفي هذا جرح للرجل يضاف إلى جرح تشرّده وفقره. وطبعاً الأمر ينسحب على تصوير المرأة أو الأطفال، حيث نجد بعض المصورين يتفننون بتصوير وجوه اللاجئين الحزينة وهي تتسلم المساعدة، أو لربما يطلبون من الطفل أن يضحك وهو يستلم حصته. علينا أن نعيَ أن هذا الواقف أمامنا هو إنسان له كرامته وعزّة نفسه، وما جاء إليكم إلا حاجته، وهو بالتأكيد غير مسرور بتصوير وجهه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ارحموا عزيز قوم ذلّ". على الجمعيات الخيرية مراعاة هذه المسألة، والحرص على الموازنة بين التوثيق وبين احترام كرامة المحتاج، فيمكن تصوير الرجل من الخلف أوتصوير مشهد عام... الخ.

3- أيضاً عندما نستطلع صور توزيع المساعدات، يكون العنصر الثابت في الصور رئيس الجمعية أو مسؤول الملف الإغاثي فيها، الذي ينتصب مبتسماً أمام المحتاج يسلمه الإعانة، معتقداً أن في هذه الحركة مزيداً من التوثيق. لماذا يشعر رئيس الجمعية أن عليه أن يكون ضمن الصورة؟ ومن قال إن المصداقية تتحقق حصراً فقط بوجوده في الصورة؟

4- وفي التغطية الخبرية لتوزيع المساعدات، تنهال عبارات التعاطف والأحاسيس الإنسانية، فيبدأ الخبر: "شعوراً منها بالحاجة الإنسانية لأهلنا اللاجئين..."، أو "رأفة بمأساة اللاجئين السوريين في لبنان ولسدّ احتياجاتهم، قمنا بتوزيع...". لندَع أعمالنا تتحدث عنا دون اللجوء لإطراء الذات الذي لن يتقبله الآخر.



تـــمّ بـحـمـد الله 
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الجهد، فيساهم في تطوير أدائنا الإعلامي في ساحتنا الإسلامية في لبنان
شاكراً كل من تفاعل ونصح وسدّد

بيروت 20/2/2014


3/02/2014

في الأداء الإعلامي لساحتنا الإسلاميّة في لبنان -2


بقلم: أيمن المصري

بعد أن تحدثت في الحلقة السابقة عن المحاور التالية: مركزية العمل الإعلامي، مسؤول المكتب الإعلامي، الظهور الإعلامي، العصبية الداخلية
أستكمل في هذه الحلقة مع لفتات جديدة حول أداء المكاتب الإعلامية في الساحة الإسلامية في لبنان.


النشر المذموم

1- كنا نعاني من مشكلة التقصير الإعلامي في عملنا الإسلامي، لكن كما يقولون "الزائد أخو الناقص"، نقع أحياناً في الترويج المذموم. معلوم أن كل "هيئة" تعقد لقاءات تنظيمية أو إدارية داخلية خاصة.. هذا النوع من اللقاءات لا يمكن نشره، المعيار في النشر ليس مجرد توفّر الكاميرا وكتابة الخبر فقط، بل المصلحة من النشر. المجالس بأماناتها، ليس كل حراك يصلح للنشر، ولكل مقام خصوصيّته.

2- حين ترسل "الهيئة" كل نشاط تقيمه – صغُر أو كبُر – بشكل دائم إلى وسائل الإعلام، فإن قسم التحرير مع الوقت سيهمل أيّ مادة تصله من هذه الجهة، لأنه فتح بريدها أكثر من مرة ووجد الخبر لا يستأهل النشر.. فيعتاد أن يتجاهل بريدها.

3- تتعدد وسائل الدعاية لحملة أو فعالية ما، من الإعلان التلفزيوني والإذاعي والمكتوب، إلى المواد المطبوعة (البوسترات والمنشورات)، فضلاً عن وسائل التواصل الإلكتروني التي سهّلت عملية الترويج والنشر.. لكن علينا الانتباه إلى أن كل وسيلة لها جمهورها، فنختار وسائل الدعاية بحسب مستوى النشاط والجمهور المستهدف. قد تكون لدينا مناسبة رسمية، فإذا نشرنا الدعوة عبر وسيلة إعلانية عامة (لافتات في الشوارع – جريدة إعلانية – بوستر مسجد – فلايرز - واتسآب...)، فهذا سيقلّل من خصوصيّة المناسبة، وقد يدفع بعض الشخصيات المدعوّة لعدم تلبية الدعوة. ولنقِس على ذلك.


4- تتنوّع الأنشطة لدى الهيئات الإسلامية، فمنها السياسي والثقافي والاجتماعي والشبابي، وهي في سبيل رفع الجانب الروحي لدى أفرادها تنظم جلسات تعبّدية.. هذا النوع من اللقاءات ليس نشاطاً عاماً يصلح للتصوير والنشر، حتى في المنابر الخاصة. علينا أن نراعي خصوصية هذه اللحظات الاستثنائية بين العبد وربه.
الردّ على نشر معلومات مغلوطة

1- في بلد يتمتع بالحرية الإعلامية المفتوحة مثل لبنان، ويعيش اصطفافات سياسية وحزبية ودينية.. تلجأ أحياناً وسائل إعلام إلى تشويه صورة شخصية سياسية أو دينية أو صورة "الهيئة" نفسها، من خلال نشر أخبار مغلوطة، عن سوء نيّة أو لربما عدم اطلاع. وهنا علينا عدم تجاهل هذا الأمر والقيام بالردّ على ما نشر، لأسباب عديدة:
• في حال عدم نشر أيّ ردّ في الصحيفة – أو الوسيلة الإعلامية – نفسها، فإن الاتهام يتحوّل حقيقة يستند إليها.
• الردّ يقطع الطريق على انتشار الشائعات والبناء على الخبر وتضخيمه.
• إن عدم الردّ يثير غضب أبناء "الهيئة"، لأنهم باتوا محلّ نقد وتهكّم من الآخرين.
• تأكيد على احترام الهيئة لوسائل الإعلام.
• تأكيد على احترام الرأي العام.

2- علماً أن قانون المطبوعات في القانون اللبناني يلزم الوسيلة الإعلامية بنشر الردّ.. وإلا فإن من حق "الهيئة" رفع دعوى قضائية على الصحيفة أو القناة بجرم القدح والذمّ.

3- في صياغة الردّ، ينبغي تجنّب الانفعال وتجاوز الاستدراج والتركيز على الحقائق والمعلومات، فهذا ما يهمّ الرأي العام. فضلاً عن أن الانفعال سيضرّ بصورة "الهيئة"، وقد يفتح الباب على الوسيلة الإعلامية باستغلاله لمزيد من تشويه الصورة.

4- قد يكون من المفيد أن يكون الردّ من خلال زيارة لإدارة المؤسسة الإعلامية أو الصحفي المعنيّ، وتسليمه الردّ بشكل شخصي، وهذا أدعى لفتح علاقات وتوطيدها مع الجسم الإعلامي.


طلب تغطية نشاط

1- عند دعوة وسائل الإعلام لتغطية نشاط ما، لا ينبغي الاكتفاء بإرسال الدعوة عبر البريد الإلكتروني، بل يفضّل أن يتبعها اتصال بقسم التحرير أو قسم التغطيات في الوسيلة الإعلامية، للتأكد من استلام الدعوة وللتأكيد على الحضور. هذا الإجراء أدعى أن يدفع الوسيلة الإعلامية للتغطية.

2- تكليفات المراسلين بالتغطيات تكون قبل يوم النشاط مساءً وليس عند صباح كل يوم، لاسيما في المحطات التلفزيونية. وعليه، من الأفضل إرسال طلب التغطية قبل ثلاثة أيام، ومرة ثانية قبل يوم للتأكيد والتذكير. 

3- مما يجذب وسائل الإعلام للتغطية هو مشاركة شخصية مهمة في المؤتمر (مثلاً)، أو إطلاق موقف سياسي ما خلال النشاط، أو لربما إذا كانت هذه "الهيئة" هي بحدّ ذاتها حالة استثنائية جاذبة، وهذا غير حاصل في الحالات الطبيعية لساحتنا الإسلامية. لذلك، لنجتهد في التفنن لجذب اهتمام مسؤول المراسلين للنشاط كي يصدر أمر التكليف. على المسؤول الإعلامي هنا أن يضع نفسه مكان الصحفي. وحينها ينبغي الإشارة في طلب التغطية أن المسؤول الفلاني سيعلن موقفاً في ملف ما، أو أن النشاط هو برعاية شخصية رسمية (وزير – مفتي – مدير عام...)، ما قد يغري الوسيلة الإعلامية للحضور.

4- إذا كان ثمة خصوصية معيّنة في برنامج المؤتمر، كجلسات خاصة يمنع الإعلام من حضورها، أو موعد محدّد للجلسة الختامية... الخ، يفضّل الإشارة إلى هذا في طلب التغطية. فكثيراً ما كان يحضر مراسلون للتغطية خلال جلسة خاصة لمؤتمر ويمنعون من الدخول. ثم لا يعودون في الجلسة الختامية.

5- تذييل طلب التغطية باسم ورقم شخص يمكن للمراسل أن يرجع إليه، فلربما أضاع مكان النشاط أو احتاج معلومة إضافية عن البرنامج.

6- من المفيد أحياناً التواصل المباشر مع المراسل لتخبره عن النشاط وأهميته، فيقوم المراسل بإقناع مسؤول العمليات بالموافقة على التغطية. بالنهاية أنت توفر للمراسل مادة ليعمل عليها ويتقاضى أجرها.


المادة الإعلانيّة

1- بعض الجمعيات الإسلامية تكتب على ملصق (بوستر) جرى نشره على الطرقات أو في إعلان جريدة يدعو لحضور نشاط، أن "الدعوة عامة". والأمر مستغرب، فهل يمكن أن تدعو عموم الناس عبر وسيلة عامة وتكون الدعوة خاصة؟ الدعوة الخاصة تكون من خلال بطاقة تصل باسم المدعوّ، أما والدعوة قد جرى نشرها عبر وسيلة عامة فمن الطبيعي أن تكون عامة.

2- تتصدّر بعض المواد الإعلانية للأنشطة البسملة "بسم الله الرحمن الرحيم". لا يخفى علينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو أبتر"، لكن هل يشترط بالبسملة إثباتها كتابة؟ وهل كتابتها واجبة مطلقة على كلّ عمل؟ أحسب أن الإسقاط هنا غير عمليّ، فضلاً عن أننا نعلم أن كثيراً من المواد الإعلانية المطبوعة يجري تمزيقها أو رميها، والأفضل عدم تضمينها ذكر الله. والله أعلم.

3- تعتمد بعض الهيئات الإسلامية التاريخ الهجري – أو الهجري ثم الميلادي - في مطبوعاتها، تمسّكاً بـ "هويتها الإسلامية". وأقول: نحن نعيش في بلد تعارف أهله على اعتماد التاريخ الميلادي في كل شؤونهم الحياتية. والتاريخ – كما أعلم – ليس أمراً تعبّدياً أو عقدياً بل اجتهاد بشري تفصيلي. فلماذا نفصل أنفسنا عن المجتمع في المسائل الاجتماعية الحياتية؟ والله أعلم.

4- في الإعلان عن موعد نشاط يُذكر: "بعد صلاة العشاء أو المغرب". وهذا موعد مطّاط غير محدد يفتح الباب للتراخي، ويعطي انطباعاً بعدم اهتمام الهيئات الإسلامية بالوقت. فـ "بعد صلاة العشاء" يمكن أن يكون بعدها بخمس دقائق أو نصف ساعة أو حتى ساعة. واحتراماً لوقت الناس يستحسن تحديد موعد واضح.

5- تذيّل بعض المواد الإعلانية للأنشطة عبارة "يوجد مكان مخصص للنساء"، وأرى في هذا استخفافاً بالمرأة وكأنها صنف آخر من البشر. هذه العبارة يمكن أن تكون ذات قيمة في الفعاليات التي تقام في المساجد فقط، حيث قد يتمّ التساؤل إن كانت السدّة مفتوحة للنساء، لكن إذا كان النشاط محاضرة أو مهرجاناً أو ندوة في مكان عام، فما الفرق هنا بين الرجل والمرأة؟ من قال أن الأصل في الحضور هم الرجال دون النساء؟ ولماذا تخصيص مكان للمرأة بحيث يشعر المرء وكأنه سيجري إجلاسها في زاوية خلفية من القاعة؟ وبالمناسبة، فإن حضور النساء في الفعاليات العامة ينافس الرجل، بل أحياناً يفوقه.

(يتبع)

2/27/2014

في الأداء الإعلامي لساحتنا الإسلاميّة في لبنان -1

بقلم: أيمن المصري

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد..
الزملاء العاملين في الحقل الإعلامي في ساحتنا الإسلامية في لبنان، أضع بين أيديكم هذا الجهد الشخصي الذي خلصت إليه من خلال رصدي لأداء المكاتب الإعلامية في ساحتنا الإسلامية في لبنان، ومن خلال مشاركتي في هذا العمل لفترة معينة. ويهمني التنويه إلى أن هذه المادة ليست دراسة أكاديمية حول أساسيات العمل الإعلامي في الجمعيات، فالمكتبة الإعلامية غنيّة بهذه الدراسات والعلوم.. بل هي مادة نقدية وملاحظات في أداء المكاتب الإعلامية، أطرحها على مدى عدة حلقات.
بعض هذه الملاحظات يندرج في الشكل وبعضها في المضمون.. أعرضها هنا، مساهمة في تسديد تجربتنا الإعلامية. ولعلّ الله يقيّض من يكمل الجهد، فيعدّ دراسة متخصصة حول قواعد وأصول عمل المكاتب الإعلامية في الساحة الإسلامية في لبنان.

ولا بدّ من الإشارة إلى الملاحظات التالية:
* اعتمدت مصطلح "الهيئة" ويندرج تحتها: التنظيم – الجمعية – المؤسسة - الهيئة... الإسلامية.
* ليس كل ما ورد في هذه المادة يعني بالضرورة جميع الهيئات الإسلامية العاملة في لبنان، فبعض البنود خاصة بحسب مجال عمل كل تنظيم أو جمعية (إغاثي – تربوي – سياسي...).
* ترتيب المحاور والبنود الفرعية ليس مستنداً إلى الأهمية أو الأولوية.
* قمت بالتركيز على الثغرات فقط، وهذا لا يعني بحال نفي الخير الكبير والإنجازات الإعلامية لساحتنا الإسلامية اللبنانية.
* لا أدّعي أنني مررت على مختلف مفاصل العمل الإعلامي لساحتنا، بل هي لفتات متفرقة أرجو أن يبنى عليها. وقد اقترح بعض الزملاء إضافة عناوين لم يتم التطرق إليها، لعل الله يوفقنا لاستدراك النقص لاحقاً.

أسأل الله أن ينفع بهذا الجهد، وأشكر كل من ساهم في تسديده. متمنّياً على العاملين والمهتمين في هذا الميدان إسداء النصح والإفادة بالملاحظات.. وصولاً إلى إخراج دراسة مؤصّلة يمكن الرجوع إليها.


في مركزيّة العمل الإعلامي

1- لقد انتشر العمل الإسلامي على الساحة اللبنانية من عكار حتى العرقوب، وبات لبعض الهيئات حضور قويّ في المحافظات اللبنانية، ومن مستلزمات تعزيز هذا الحضور واستثماره العمل الإعلامي. ومعلوم أن الأدوات الإعلامية لاسيما وسائل الاتصال قد اختزلت المسافات الجغرافية وألغت الحدود بين الدول والقارات، فما بالنا بالمدن؟ هذا الواقع يدعونا لتوحيد الجهود الداخلية واعتماد مركزية العمل الإعلامي ووضع رؤية إعلامية موحّدة يجري العمل على أساسها بين مكاتب المناطق اللبنانية وأيضاً بين "الهيئة" وواجهات العمل، فالجمهور يقارن الإنتاج الإعلامي لـ "الهيئة" مع أدوات ضخمة ومركزية لأحزاب ومؤسسات أخرى.. لكننا نفاجأ بوجود كيانات إعلامية مناطقية مستقلة للهيئة الواحدة. وهذا غير طبيعي.

2- عندما تتعدد صفحات التواصل الاجتماعي (لاسيما الفايسبوك) باسم "الهيئة" نفسها، وتغرّد كل صفحة على هواها دون أيّ نظام يضبط عملها.. وعندما تعتمد كل منطقة شعاراً مختلفاً (Slogan) في حملة معيّنة (كذكرى المولد النبوي أو الهجرة)، وعندما يتعدّد شكل شعار "الهيئة" (Logo).. وعندما تتوالد المبادرات الإعلامية الفردية باسم "الهيئة"... هذا كله يدلّل على غياب مركزية العمل الإعلامي، ويصوّر "الهيئة" وكأنها "دكاكين" متفرقة.

3- عند تعميم الأنشطة الخاصة بالأقسام أو الفروع المناطقية على وسائل الإعلام. الوسيلة الإعلامية يهمها أن تتعاطى مع مكتب إعلامي واحد لا جهات متعددة لـ "الهيئة". الآلية الأفضل هي أن ترسل تغطيات الأنشطة المناطقية إلى مكتب إعلامي مركزي، يتقن أصول التواصل مع وسائل الإعلام، ويجيد الصياغة الخبرية من حيث الشكل والمضمون، وهو الذي يقوم بتعميمها. وسيأتي الحديث لاحقاً عن قواعد التواصل مع وسائل الإعلام.

4- حين تطلب وسيلة إعلامية إجراء مقابلة أو إعداد تقرير ما عن مشروع أطلقه أحد أقسام "الهيئة"، من المهم أن يكون تواصل الوسيلة الإعلامية مع المكتب الإعلامي المركزي الذي يرتب اللقاء أو يحيل هذه الوسيلة إلى الشخص أو الجهة المناسبة في "الهيئة"، لضمان إشراف المكتب الإعلامي على أيّ حراك إعلامي لـ "الهيئة" أو أحد أقسامها، فضلاً عن الحيلولة دون فتح خطوط خاصة للأقسام الداخلية مع وسائل الإعلام.

5- قد يكلَّف مسؤول في موقع عام بكتابة بيان ما، فيقوم هو نفسه – بعد اعتماد البيان - بنشره عبر عنوانه الشخصي (البريد الإلكتروني أو الواتسآب). وفي هذا شخصنة مذمومة، فالمسؤول هنا يمثل بتصريحه "الهيئة" ولا يمثل نفسه، ثم إن المتلقي لن يستقبل المادة بالتجرد الطبيعي لو كان المرسل هو كاتب السطور، فضلاً عن ضرب صورة العمل المؤسسي لهذه "الهيئة". الأصل في تعميم البيان أو التصريح أن يكون عبر المكتب الإعلامي الرسمي، ولا يليق بكاتب البيان أن يقوم هو بنشره.

6- كما في أيّ هيئة تتعاطى الشأن العام (سياسي، اجتماعي...) يتولى فيها موقع الناطق الرسمي (أو الموقع السياسي) مسؤول مركزي على مستوى لبنان، وينضوي تحته مسؤولون محليون على مستوى المحافظات اللبنانية. يتحمّس بعض المسؤولين المحليين فيصرّح أو يصدر بياناً حول شأن مركزي لبناني (انتخابات رئاسة الجمهورية مثلاً) أو في ملف عربي، فيما الأصل أن موقعه لا يخوّله ذلك، بل هو مناط به تناول قضايا منطقته فقط أو الملف المسؤول عنه بشكل مباشر، وتترك الملفات المركزية للمسؤول المركزي أو الناطق الرسمي أو القيادة العليا. فإن وقع هذا الخطأ من المسؤول المحلي، على المسؤول الإعلامي تدارك الأمر قبل تعميم البيان.


مسؤول المكتب الإعلامي

1- يغيب عن بعض الهيئات الفرق بين مسؤول المكتب الإعلامي الذي يحسن إدارة ملفه تخطيطاً وتنفيذاً، وبين الناطق الإعلامي (في الشأن العام) الذي يتطلب موقعه صفات أخرى (ذهنية وحوارية وشكلية عديدة) لا يشترط وجودها حكماً في مسؤول الملف الإعلامي. وبالتالي، لا يشترط الجمع بينهما، بل الأفضل الفصل بين المسؤوليتين.

2- تكلف هيئة إسلامية أحد أفرادها ليتولى مسؤولية المكتب الإعلامي (أو العلاقات الإعلامية)، ومعروف أن العمل الإعلامي في ساحة منفتحة ومتنوعة كلبنان يتطلب اعتماد مدرسة التيسير في الأحكام الشرعية والفتاوى، فهو سيتواصل مع صحفيين وصحفيات ووسائل إعلام من اتجاهات دينية – أو لا دينية - متعددة، وسيمرّ بمواقف يكون فيها بعض الشبهة، سيطالع مواقع إلكترونية متنوّعة كثيرة خلال بحثه، سيتابع أقنية تلفزيونية كثيرة، وفيها ما فيها... هذا كله سيكون مربكاً لو كان من يتولى العمل في المكتب أخ – أو شيخ - يلتزم مدرسة العزيمة ودرء الشبهات، فضلاً عن أن لغته ومفرداته الشرعية ستغلبه عند التعاطي مع الإعلام أو عند صياغة الخبر أو البيان.

3- وتجنباً لهذه الإشكالية، تنتدب "الهيئة" صحفياً محترفاً، لكن من خارج صفها، ولما كان مسؤول المكتب الإعلامي هو واجهة "الهيئة"، يعبّر عن أفكارها عند تواصله مع وسائل الإعلام، لذلك يستحسن أن يكون منخرطاً في دورة عمل هذه "الهيئة" (Involved)، ولعل من الضرورة أيضاً أن يكون مشاركاً في الدائرة الإعلامية التنظيمية، فيكون مطلعاً على الأهداف والمحاذير والعوائق... في الملف المطروح.

4- قد يجري التعميم على المسؤولين السياسيين في "الهيئة" التزام موقف معين أو لربما الامتناع عن التصريح في ملف ما. لكن الصحفي بفضوله المعروف لن يتوقف عند هذا الحدّ، سيقوم بالتواصل مع أشخاص غير رسميين ضمن "الهيئة" لتقصّي المعلومات أو الأجواء. فيقوم الصحفي بالتواصل مع المسؤول الإعلامي في "الهيئة" فيسأله من باب الدردشة، وهنا يقع الأخ (غير المسموح له بالتصريح) في فخّ النجومية، فيقدم معلومات لهذا الصحفي، أملاً في ظهور اسمه، أو على الأقل شعوراً منه أنه بات مرجعاً من قبل الصحفيين. لا تخجل من رفض التصريح، يمكن لمسؤول المكتب الإعلامي أن يعد الصحفي بتأمين المعلومة، أو الاعتذار عن التصريح بالمطلق.


الظهور الإعلامي

1- قد ينجح مسؤول أو أحد رموز "الهيئة" في الإطلالة على شاشة فضائية مهمة خلال نشرة إخبارية (الجزيرة مثلاً)، فتعطيه ثلاث دقائق ليعرض فكرته ضمن إجابات على أسئلة المذيع. فإذا به يبدأ كلامه بـ: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"، وقد يكمل فيشكر القناة على استضافته. وهنا يكون قد خسر حوالي ثلث الوقت المخصص له. الوقت هنا ثمين جداً علينا اقتناص كل ثانية فيه. لكل مقام مقال.

2- تستضيف وسيلة إعلامية ممثل "الهيئة" ليتحدث عن مشروع أطلقته، فإذا به يستغلّ فرصة الإطلالة ليقوم بالدعاية لمشاريع وأنشطة أخرى لـ "الهيئة" من باب "الشطارة"، وقد فات أخانا أن المستمع سينتبه لهذه "الشطارة" ولن يحترمها، فضلاً عن مُحاوره أو إدارة الوسيلة الإعلامية.

3- ومتابعة لـ "الشطارة المذمومة"، قد يجدها الضيف فرصة ليقدّم صورة مثالية عن "الهيئة" وأنشطتها والتحضيرات لهذه الفعالية، فكل خطوة تم تكليف متخصصين لدراستها والإشراف على تنفيذها، ومن يقدّم الدورة أو المحاضرة هو كذا وكذا... الخ. المستمع/المشاهد لا يتقبل مدح الذات، وعندما تكون موضوعياً ومتوازناً سيحترمك المشاهد ويتفاعل معك بشكل أفضل.

4- والعكس أيضاً غير سليم، فقد يقع الضيف (ممثل الهيئة) في فخّ التواضع في غير محله، فعند عرض مشروعه يقلّل من قيمته وتميّزه، لأن "أعمالنا هي لله وليس ليرى الناس ما نفعل، ونشأنا على التجرد وتجنب الغرور". وهنا تأكيد مرة ثانية على أن مسؤول اللجنة المنظمة للنشاط لا يشترط حكماً أن يكون هو نفسه من يتحدث عن النشاط لوسائل الإعلام، فلكل مجال مهاراته. يمكن أن تعرض النشاط نفسه بدون زيادة أو "تبهير"، لكن طريقة العرض توصل رسائل إلى المتلقّي، فيحترم "الهيئة" وتشدّه أنشطتها، أو تصغر في عينه.

5- من الملاحظ غياب المشاركة النسائية في اللقاءات الإعلامية، حتى في الملفات النسائية المتخصصة (العنف ضدّ المرأة – قانون الأسرة...). فنجد الرجال من ساحتنا الإسلامية هم من يتصدى عبر وسائل الإعلام لهذه الملفات. وهذه ثغرة يعزى سببها بالدرجة الأولى إلى غياب الرموز النسائية في ساحتنا الإسلامية قبل الحديث عن الإعلام. وأحسب أن الحركة الإسلامية لم تنجح في ترجمة شعاراتها عن دور المرأة وموقعها في المجتمع على أرض الواقع، ولا زالت بعض الموروثات تحكم تعاطيها مع هذا الملف.. أو فلتتواضع في شعاراتها حول دور المرأة في العمل الإسلامي.


العصبيّة الداخليّة

تقع بعض الهيئات بمرض العصبية الداخلية، حيث تتنافس الأقسام أو الدوائر الداخلية على إبراز اسمها في الأنشطة على حساب اسم "الهيئة"، مع أن هذه التقسيمات هي شأن إداري داخلي لتنظيم العمل ولا يشترط إعلانه للجمهور. وطبعاً أقصد هنا الأقسام وليس الواجهات المعتمدة إطاراً رسمياً للعمل. فنجد مثلاً إعلاناً يقول: "يسرّ القسم الدعوي أو... في جمعية كذا دعوتكم لكذا"، وخلال المحاضرة تثبّت خلف المنصة لافتة دعائية لهذا القسم. أو يجري توقيع عمل فنيّ (بوستر أو برومو) باسم "القسم الإعلامي في..."، علماً أن واجب هذا القسم الإعلامي هو توفير الحضور لاسم "الهيئة" لدى الرأي العام وليس اسم القسم. فننتقل هنا من مرض الحزبية في المجتمع إلى العصبية الحزبية داخل الحزب الواحد. وهذا ما يضعف مفهوم الانتماء إلى "الهيئة" ويكرّس الاصطفافات الداخلية الضيّقة. علينا أن نعيَ أن الجمهور المستهدف لا تعنيه هذه التقسيمات الإدارية الداخلية، بل – في الغالب - هو ينفر منها، وهو حين يلبّي الدعوة للمشاركة في نشاط فإنما للمؤسسة الأم وليس قسم فيها. ويحضرني في هذا السياق خبر قرأته منذ فترة، جاء فيه: "شاركت جمعية (...) في منطقة (...) في دورة تدريبية نظمها مركز (...) بالتعاون مع (...)، قدمها الدكتور (...) في مركز (...)". لننظر هنا عدد الجهات التي حرصت على إبراز اسمها، في خبر طوله سطراً ونصف. إنها عقدة "الظهور الإعلامي" أو عقدة "إثبات الإنجازات". فأمّا العقدة الأولى فهي محلولة حيث إن نجاح اسم المؤسسة الأم إعلامياً ينعكس تلقائياً نجاحاً للقسم، وأما حلّ العقدة الثانية فمن خلال التقارير التي تُرفع من القسم إلى إدارة مؤسسته، حيث المكان الصحيح لـ "إثبات الإنجازات".

(يتبع)