‏إظهار الرسائل ذات التسميات لفتـات حركيـّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لفتـات حركيـّة. إظهار كافة الرسائل

1/28/2019

تحدّيات أمام قيادة الجماعة الإسلامية في ولايتها الثانية


بقلم: أيمن المصري 

لم تكن سهلة على الجماعة الإسلامية في لبنان عملية الانتقال من مرحلة قيادة المؤسّس إلى قيادة المؤسسات، فمع انتهاء الولاية الثانية للأمين العام السابق للجماعة الأستاذ إبراهيم المصري عام 2015، وهو الذي كان يشكّل الركن الثالث والأخير في جيل المؤسّسين، بعد الراحلَين الدكتور فتحي يكن والشيخ فيصل مولوي رحمهما الله.. فقدَ موقع القيادة في الجماعة ميزة خاصة كان يتمتع بها الأمناء المؤسّسون، الذين يختزنون تاريخاً حركياً عريقاً ورصيداً كبيراً في الداخل والخارج، حيث انتقل موقع القيادة (الأمانة العامة) إلى جيل "التابعين"، على فضلهم وعطائهم. ومهما تحدثنا عن مؤسسيّة الجماعة، تبقى للشخصيات المؤسّسة قيمتها الاعتبارية الجامعة، بحيث تقبل القواعد منها ما لا ترضاه من غيرهم. 

أمام سلبيات غياب هذه الميزة في موقع القيادة، ثمة إيجابيات لا بدّ من تقديرها. فالجماعة الإسلامية في لبنان تقدّم نفسها تنظيماً مؤسسياً يقوم على نظم ومؤسسات قيادية، ولطالما رفعت شعار "لا لشخص قد عملنا". وبالتالي فإن عمل الجماعة بإدارة نظام داخلي وقيادة مؤسسات قرار هو الشكل الطبيعي والسليم لعمل الأحزاب، وإذا وجد خلل في بعض النظم يجري تعديله لتخدم الأهداف الموضوعة، بما يتماهى مع مقتضيات المرحلة. والإيجابية الأكبر التي يمكن تسجيلها هي التزام الجماعة – كحزب لبنانيّ – بمبدأ تداول السلطة، وهذا ما نراه غائباً لدى معظم الأحزاب اللبنانية. 

وفيما يرى البعض أن آلام المخاض الانتقالي، كانت ستصيب العهد تحت أيّ قيادة كان، دون أن ننسى أثر التحديات الخارجية سياسياً ومالياً، فإن الأستاذ #عزام_الأيوبي وقد تمّ تجديد ولايته لدورة ثانية، تنتظره ملفات أساسية لا بدّ من معالجتها في المرحلة القادمة: 

أولاً - لقد كان من أبرز إنجازات عهد الأستاذ الأيوبي في ولايته السابقة مؤتمر "رؤية وطن" الذي أطلّت فيه الجماعة على اللبنانيين بوثيقة سياسيّة جديدة، في مؤتمر علنيّ عام للمرة الأولى، وأعلنت فيه الجماعة على لسان أمينها العام أنها "تفتح مرحلة جديدة من تاريخها، ستكون لها ملامحها الخاصة". ودعا فيه الأيوبي إلى النأي بالنفس عما يجري في المحيط، وإلى تعزيز مفهوم المواطنة في مناهج الجماعة والاندماج بالمجتمع اللبناني أكثر.. لكن المراقب يلاحظ أن هذه الرؤية لم تترجم عملياً في أقسام الجماعة ووعي أفرادها، حيث يلحظ المراقب لأداء الجماعة تخبّطاً بين ثقافتين: التشبث بأدبيات الماضي والتقوقع ضمن الساحة الإسلامية، وتيار آخر يدعو إلى تجاوز ثقافة المحنة وإلى الانفتاح على المجتمع وقواه بمختلف توجّهاتها. ولعلّ قيادة الجماعة معنيّة بتنفيذ خطوات عملية لتنزيل ثقافة "رؤية وطن" على قواعدها، وترجمة هذه الرؤية عملياً في مؤسسات العمل العام، لاسيما السياسيّة والإعلاميّة والبلدية. 

ثانياً – رأب التصدّع الداخلي الذي نتج عن الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 6 أيار 2018، حيث خسرت الجماعة مقعدها النيابي، ما ولّد إحباطاً داخلياً، فضلاً عن انعكاسات العقوبات الحزبية التي صدرت بحق مسؤولين خالفوا قرارات الجماعة في الاستحقاق الانتخابي. 

ثالثاً - من التحديات التي تنتظر معالجة ضرورية هي الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها الجماعة ومؤسساتها، تأثراً بالوضع الاقتصادي العام وبالدرجة الأولى بسبب التضييق الشديد في الخارج على جمع التبرعات لتمويل المشاريع الدعوية والخيرية.. الأمر الذي يستلزم من قيادة الجماعة تأمين مصادر جديدة تعين مؤسسات الجماعة التربوية والصحية والاجتماعية والإعلامية والطلابية... في عملها. 

رابعاً - تثبيت مبدأ الإدارة المؤسسية المستندة إلى نظم وقوانين، بعيداً عن التأثير الشخصي لقياديّ هنا أو ضغوط كيان داخلي متضخّم هناك. 

أخيراً، فإن الجماعة الإسلامية، وهي تمثل مشروع الإسلام السياسي في لبنان، معنيّة أكثر من أيّ وقت مضى بالتماسك الداخلي والصمود أمام الاستهداف السياسي والمالي، وهي مدعوّة إلى الانفتاح على المجتمع اللبناني لتكون شريكاً فاعلاً في بناء مشروع الدولة، ومعبّراً عن الساحة الإسلامية بمختلف مكوّناتها.. وهي تمتلك المقوّمات الكافية للقيام بهذا الدور.


4/28/2018

مـَن يـخــرج عــن جـمـاعـتــه

بقلم: أيمن المصري 

تعرضت ساحة العمل الإسلامي في لبنان في الفترة الأخيرة لظاهرة مخالفة بعض الرموز لقرار قيادتها في محطة الانتخابات النيابية، وقد ترك هذا الأمر أثراً سلبياً في النفوس، وصل في بعض الأحيان إلى تشويه صورة المشروع الإسلامي ومجمل العاملين فيه. 

وأودّ هنا تسجيل الملاحظات التالية: 

- إن الانتماء إلى "تنظيم إسلامي" يفرض على المنتسب التزامات فكرية وسياسية وشخصية، وليس كلنا يطيق هذه الالتزامات، فلقد خلقنا الله عزّ وجل طبائع مختلفة، في التفكير والالتزام والتجرّد من حظ النفس. 

- في حال انتفت ثقة الفرد بقيادته، أو تباينت القناعات الفكرية أو السياسية، فالأصل أن يطلب الاستعفاء من التزامه، ولربما يكون الخير للطرفين في الانفصال، مع حفظ الودّ والفضل بينهما. فهذه أخلاق العاملين للإسلام. 

- الانتساب لجماعة دعوية أو تنظيم إسلامي هو عملي اختياري تطوّعي، وكما يملك الفرد حرية الالتزام، له أيضاً حرية التحرر والاستعفاء.. بمعزل عن الأسباب. 

- العمل الإسلامي أرحب من أن يحدّه حزب أو جماعة.. فالجميع يسعى لمرضاة الله عزّ وجلّ. والانتساب لجماعة دعوية ما أو تنظيم إسلامي، هو وسيلة لا غاية. فتتعدّد الوسائل والغاية واحدة، هي مرضاة الله تعالى. 

- من الخطأ النظر بمثالية إلى أصحاب المشروع الإسلامي. هم بشر يخطئون ويصيبون، ويتعرض الناشطون منهم للمغريات المادية والمعنوية أكثر من غيرهم. وكما سبق وأشرنا، ليس الجميع يقوى على مواجهة تلك المغريات، وليس الجميع يتحلى بصفة الانعتاق من الذات وأهوائها. قد يضعف البعض. والمتابع للسيرة النبوية يذكر مواقف لصحابة أجلاء، خرجوا عن فعل الصواب في المعارك.. نتيجة ضعف في النفس. 

- من يختار أن يخرج عن جماعته وينتقل إلى فريق خصم لها لأجل مكاسب شخصية دنيوية، فخسارته في عدة اتجاهات: خسر احترامه لنفسه، واحترامه في أعين محبيه، وخسر فضل العمل للإسلام.. فكيف لو كان شخصية قيادية ينظر لها الناس بعين القدوة والتعفف؟! 

- كلنا معرّض للفتنة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف يشاء". وأمام مواقف كهذه، لا نملك إلا أن ندعو الله لأنفسنا بالثبات. 

- الذي يخرج عن صف الجماعة ويضعف شوكتها من أجل مكاسب دنيوية، سيكتشف لاحقاً أنه صغير بنفسه كبير بجماعته. فهو الخاسر الأكبر في هذا الفعل قبل جماعته. 

- علينا أن لا ننسى أمام مواقف كهذه، أنه رغم الإساءة التي ارتكبها الفرد (أو المسؤول) تجاه جماعته، فإننا لا يمكن لنا أن ننسى رصيده وفضله في العمل الإسلامي.. ولعل من الوفاء لهذا التاريخ الدعوي أن نمتنع عن التجريح والتشهير به.. نكله إلى الله تعالى، وندعو لأنفسنا بالثبات.

4/23/2018

الجماعات الدعوية في الاستحقاق الانتخابي

بقلم: أيمن المصري 
تزخر ساحتنا الإسلامية في لبنان بعدد وافر من الجمعيات الناشطة في الميدان الدعوي، وتتنوع مجالات عملها، فمن جمعية تخصصت في العمل التربوي، وأخرى في العمل الطلابي، وثالثة في الاجتماعي، والنسائي، فضلاً عن المجموعات الدينية... وهذا التنوّع فضل من الله، بحيث يتكامل عملها لتخدم جميعاً المسار الدعوي العام. 
وتتباين نظرة هذه الجمعيات تجاه العمل السياسي، فمنها من يقاطع، ومنها من يشارك، ومنها من يتبنى موقف جماعة إسلامية أخرى تثق بها تعمل في المجال السياسي. 
لن أتحدث عن جمعيات توجّه دعمها الشعبي أو الانتخابي إلى فريق سياسي يتبنى خطاً علمانياً، رغم وجود مرشحين أكفاء من الساحة الإسلامية.. فتلك عوارها بيّن. 
سأعرض لنموذج آخر له باع في العمل الدعوي، وانسجاماً مع موقفه المبدئي في الامتناع عن أيّ عمل سياسي أو انتخابي لقناعة معينة.. امتنعت هذه الجماعات عن توجيه أفرادها ومؤيديها لدعم مرشح معين في الانتخابات، وتركت لهم حرية الخيار بين المرشحين، بحسب ميول العائلة أو الزوج أو بحسب صلة القرابة أو... 

ومع الاعتراف بفضلها الكبير، أودّ أن أتوجه إلى هذه الجماعات الدعوية لأقول: 
إن من أهم أهداف مشاركة التيار الإسلامي في العملية السياسية في لبنان هي حفظ مصالح المسلمين، ومنع التعدي على حقوقهم، ورفع الأذى عنهم حين يقع.. فهل هذا الأمر لا يعنيكم؟ 
وإذا كان مجال عملكم يفرض تجنّب أيّ مشاركة سياسية، فما يمنع من توجيه أصوات أفرادكم ومناصريكم إلى مرشح إسلامي يحمل صوتكم إلى الندوة البرلمانية التي قد تشرّع لقوانين تخالف دينكم؟ وفي حال غياب مرشح إسلامي في دائرة انتخابية ما، يمكن اختيار الأقل ضرراً. 
هل يمكن أن تتركوا الخيار لأفرادكم - من منطلق بعدكم عن السياسة - دون أيّ توجيه لمعايير الاختيار، لجهة الكفاءة ونظافة الكف أو العمل لمصلحة المسلمين في البلد؟ 
هل يمكن القبول باختيار مرشح لا يضع في برنامجه الحفاظ على خصوصياتنا كمسلمين في لبنان، من خلال حماية قانون الأحوال الشخصية ومحاكمنا الشرعية؟ وتعلمون ما يتعرض هذا النظام من محاولات لتعطيله (الزواج المدني وغيره). 
أو التصويت لمرشح لا يواجه محاولات التناتش بين ملوك الطوائف، فيقبل أن يقتطع من حقوق طائفتنا في المواقع والوظائف الرسمية؟ 
هل يمكن اختيار مرشح لا يعمل للإفراج عن الموقوفين الإسلاميين المظلومين؟ 
لا يضيركم أن يختار أفرادكم مرشحين يلتزمون خط مشروع سياسي علماني مناوئ للساحة الإسلامية؟ 
لعله من الأفضل أن تلزموا أفرادكم بمقاطعة الانتخابات، فهذا أقل ضرراً من أن تتركوا لهم الخيار دون أي توجيه لمعايير الاختيار. 
إلى قيادات تلك الجماعات الدعوية الفاضلة.. صوت أفرادكم ومؤيديكم في الانتخابات ليس عملاً سياسياً بل جزء من مسؤوليتكم الدعوية.

بيروت 23/4/2018

12/17/2015

في الانتخابات الداخلية للحركة الإسلاميّة في لبنان

بقلم: أيمن المصري
تقترب الحركة الإسلامية في لبنان من موعد استحقاق مفصليّ يتمثل بالانتخابات الداخلية، ابتداءً من الأمانة العامة (الموقع الأول في الجماعة) وصولاً إلى المكاتب الإدارية المحلية في المناطق اللبنانية. ويحكم سير العملية الانتخابية نظام داخلي يبيّن آليات الاختيار ويحدّد الحقوق والواجبات.
وتتميز هذه المحطة الانتخابية بخصوصية استثنائية، حيث تنتقل قيادة الحركة الإسلامية من جيل القادة المؤسسين الثلاثة (فتحي يكن وفيصل مولوي رحمهما الله – إبراهيم المصري) الذين يختزنون تاريخاً حركياً عريقاً ورصيداً كبيراً في الداخل والخارج.. تنتقل إلى جيل "التابعين"، على فضلهم وعطائهم. ومهما تحدثنا عن مؤسسيّة العمل الدعوي والنظم التي تحكم عمل الجماعة، تبقى للشخصيات المؤسسة قيمتها الاعتبارية الجامعة، بحيث تقبل القواعد منها ما لا ترضاه من غيرهم.
هذه الانتخابات الداخلية تشارك فيها هيئات ناخبة ذات مستويات ثقافية وعمرية متفاوتة. وككل عملية انتخابية واسعة بهذا الحجم، وبهيئات تحمل هذا التنوّع، يعتريها سلوكيات وممارسات خاطئة لبعض الأشخاص، تتنافى مع أدبياتنا الإسلامية فضلاً عن الحركية.
وإني وإن كنت لا أحمل فقهاً شرعياً متخصصاً، ولا حكمة شيوخ شابت رؤوسهم في العمل الإسلامي، لكني أردت من خلال هذه المادة أن أناقش بعض الظواهر السلبيّة التي ترافق تلك المحطة، لعلّي أدفع أهل الاختصاص لوضع تأصيل حركيّ للانتخابات التنظيمية، يستهدي به أبناء الجماعة.

1- النظام الداخلي
لكل تنظيم أو حزب، نظام داخلي تتوافق عليه الدوائر المختصة، وتعلن الهيئات الناخبة قبولها العمل على أساسه والالتزام بقواعده.. فيكون هو المرجع عند وقوع أيّ تباين في وجهات النظر حول شأن من الشؤون الداخلية.
لكن.. قبل هذا النظام الداخلي وبعده، فإن ما يجمع الإخوان هو العمل لله ومرضاته، وما يحكم علاقة الصف بالقيادة هو الثقة، أحد أركان البيعة التي أدّاها الإخوان تجاه خالقهم عند الانتساب للجماعة.. فنحن أولاً وآخراً أبناء دعوة، لا طلاب مناصب.

2- في السرّية
لقد فرضت الظروف السياسية والأمنية الاستثنائية التي مرت بها الحركة الإسلامية في لبنان، من تضييق وملاحقات لاسيما خلال الهيمنة السورية.. هذا الواقع فرض عليها التزام السرّية في معظم مفاصل عملها، خصوصاً ما يتعلق بشؤونها الداخلية، مستندة أيضاً إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان". لكن هذا الواقع قد تبدل، وتمتعت الجماعة بهامش جيد من الحرية، وباتت جزءاً من الخريطة السياسية، تمارس العمل العام وتنشئ المراكز وتنظم الفعاليات وتعقد المؤتمرات والأنشطة العامة.. 
هذا الأمر يحتّم على قيادة الجماعة أن تعيد النظر في سقف المعلن والمستور في شؤونها الداخلية.

3- طالب الولاية
من القواعد المتعارف عليها في أدبياتنا التنظيمية أن "طالب الولاية لا يولّى"، وتسري هذه القاعدة على المراكز والمواقع بمختلف مستوياتها. وكل أخ "يخالف الأصول" فيعلن استعداده لتولّي مركز قيادي، سواء مسؤولية لجنة أو دائرة أو مكتب إداري.. يُنظر إليه نظرة الطالب للمنصب، الباحث عن الوجاهة.
أقول: لقد تربينا في الحركة الإسلامية أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وتعلمنا في "أركان البيعة" على "الإخلاص والتجرد"، وتجد بعض الإخوة من يفاخر أنه نجح في التهرب من المسؤولية..
لكن، أحسب أن الأمر فيه شيء من التفصيل، حيث تختلف الولاية الأول في القيادة وبين إدارة الأقسام التنفيذية.
إن مما تعانيه الحركة الإسلامية اليوم أن بعض الإخوة أصحاب الكفاءة يتهربون من حمل أية مسؤولية بذريعة أنهم ليسوا طلاب كراسٍ، ويردّدون قصصاً ومواقف في الزهد (الأتقياء الأخفياء)، كي يبقوا عناصر عاديين دون حمل أية مسؤولية، متناسين أن هدف انتظامهم في صف الجماعة هو توظيف مهاراتهم وخبراتهم للدعوة، ومتجاهلين أن العمل يحتاج قيادات وكفاءات، إلى جانب العناصر الميدانية.
لقد بات العمل الإسلامي يحتاج رجالاً يقدمون بعزيمة وحماسة، فيعرضون خططهم أو مشاريعهم للنهوض بالعمل.. والحكَم في الاختيار هو الهيئة الناخبة، التي تتحلّى بصفات الرأي والخبرة في مستلزمات العمل.
لقد كثر الزاهدون وقلّ المقدِمون.. والعمل – بمختلف أقسامه - ينتظر فرسانه قائلاً: من يحمل الراية، فيبرز ويبدع ويحقق الإنجازات؟

4- الكيد التنظيمي
لا يخفى على العاملين في الحقل الإسلامي، لا سيما المنظّم، تسرّب أمراض بدأت تخلق مناخاً سلبياً. وأتحدث هنا تحديداً عن مرض "الكيد التنظيمي" داخل الصف. والمشكلة حين لا يتوقف هذا الكيد عند ممارسات "طامح" أو "مشاكس"، بل تعظم عند قيامه بالتأثير على مجموعة من الشباب حوله، فيشحن نفوسهم عبر تلبيس "مصالحه التنظيمية" شعارات دعوية وإسلامية عامة تدغدغ مشاعر بعضهم (الإصلاح – دور الشباب – تطوير الخطاب...)، فيتحمسون حاملين لواءه "الإصلاحي"، ليتحولوا لا شعورياً إلى مصدر إزعاج لـمنافسيه عند الاستحقاقات الانتخابية.. 
إن هذا الواقع الطارئ غير الصحّي يفقد العمل الإسلامي بركته، ويشغل أبناءه بأبنائه. فأيّ دعوة ستكون؟ وأيّ رضا من الله سنفوز؟ ويا فرحة الشامتين!

5- المشاورات
نسمع في بعض المحطات الانتخابيات مصطلحات مثل "تكتلات، كَولسات…"، ويتم وضع هذه الممارسات في الإطار السلبي.
وهنا نقول: الأصل في شكل الشورى أن يعرض صاحب كل رأي رأيه، ثم يُترك الأمر للناخبين، فيختارون الرأي الذي يرونه خيراً للدعوة وما ارتاحت إليه نفوسهم، وهم عند اختيارهم يعلمون أنهم محاسبون أمام الله تعالى إن خالف اختيارهم مصلحة العمل الإسلامي.
وعليه، فإن من حق أيّ أخ أن يسعى لإقناع الآخرين برأي يرى فيه مصلحة الدعوة أو يطرح اسم يرى فيه الأهليّة للموقع المطروح، بل لعله يكون مطلوباً منه أن يفعل.. وتالياً، فإن من حق أيّة مجموعة من الناخبين أن يجتمعوا على رأي معين ويحاولوا إقناع إخوانهم به، شرط صدق النية وليس المناكفة الانتخابية.. وأكرر: شرط صدق النيّة، وهذا هو المعيار الأساس.
ومع أن إدارة الجلسة تخصص وقتاً للتداول ضمن الاجتماع الرسمي، وقد يستغرق ذلك ساعات.. لكن ما المانع من إجراء بعض التداول الفردي قبل الجلسات؟ أليس ذلك أدعى أن تنضج الطروحات أكثر؟ ما دمنا نتحدث عن الاجتهاد في اختيار الأكفأ لعمل إسلاميّ وليس منصب دنيوي.
إن هذا الفعل لا يتنافى مع مبدأ الإخلاص والتجرد، فالأصل أن الجميع يسعى لما فيه مصلحة الدعوة، لا المنفعة الشخصية. 
وإلا.. إذا قدم أعضاء الهيئة الناخبة إلى جلسة الاقتراع، دون المرور بمرحلة المشاورات بأشكالها المتعددة، فإن السفينة قد تتجه اتجاهاً عشوائياً، والتصويت قد يقع على رأي غير ناضج، لاسيما في حال وجود كتلة حديثة عهد بمثل هذا الاستحقاق، فتدلي بأصواتها عن غير دراية بانعكاسات اختيارها.

6- الجرح والتعديل
خلال عملية التداول بالأسماء، يقع البعض في محظور شرعي. فبدل أن يجري تقييم الأخ (المطروح اسمه) في أهليّته لهذا الموقع أم لا، ينجرف البعض إلى الغيبة أو التشهير الشخصي، الذي لا علاقه له بالموقع المرشح له. وإذا افترضنا وجود سبب شخصيّ يحول دون قبول الأخ لهذا المنصب، فالأصل أن تراعى الضوابط الشرعية في ذكر العيب أو النقيصة.
وعدم أهليّة أخ ما لموقع معيّن، لا ينتقص من قدره ومكانته، فالعمل الإسلامي تخصّصات، ومن يصلح للتربية لا يصلح للسياسة، ومن يصلح في العمل الطلابي لا يصلح في الإدارة المالية... وهكذا.

7- الشيوخ والشباب
أيضاً في مرحلة التشاور التي تسبق العملية الانتخابية، يهمس بعض الشباب المتحمّس حديث العهد في الصف أن إخوانهم كبار السن (قدماء الجماعة) "باتوا لا يصلحون للعمل، فقد شاخوا وكبروا، ولم يعد لديهم ما يقدّمونه للدعوة، وخير لهم أن يفسحوا المجال للدم الجديد كي يتقدّم".
وبمعزل عن نقاش هذه النظرية، فإن هذا الكلام يتسبّب بجرح لإخواننا الكبار الذين سينظرون إلى الشباب كأنهم ناكرون للجميل.
وما زلت أحفظ كلمة قالها الفقيه الشيخ فيصل مولوي رحمه الله، حين ذكر أحدهم أمامه أخاً كبيراً بوصف ينتقص من قدره، فقال رحمه الله: "كل أخ سبقك بيوم في الجماعة، له فضل عليك".
لقد أمرنا الشرع الحنيف أن نحترم الأكبر منا سنّاً، فكيف وقد سبقنا في الدعوة، وربّى أجيالاً، قد نكون نحن إحدى ثمارهم.

8- تقديم برامج انتخابية
معلوم أن نظُم #الجماعة_الإسلامية في العملية الانتخابية لا تسمح للأخ أن يقوم بترشيح نفسه لمسؤولية قسم أو دائرة، بل المتعارف عليه أن يتوافق على تسميته مجموعة من الإخوة يرون فيه الكفاءة، فيعملون على تسويقه ضمن الهيئة الناخبة عبر عرض ميزاته وقدراته. وقد يكون مطروحاً أكثر من اسم لمسؤولية هذا القسم. وهنا تطلع بعض الأصوات في جلسة الانتخاب أننا نحتاج من هذه الأسماء أن نسمع برامجهم الانتخابية كي نبني عليها اختيارنا.. وذلك تأثراً بما تجري عليه العادة في الاستحقاقات الانتخابية النيابية أو البلدية، حيث يعلن المرشح برنامجه الانتخابي ويقوم الناخب بالتصويت لمن اقتنع فيه أكثر. وهذا إسقاط خاطئ، فللدعوة خصوصيتها، من حيث المنطلقات والأهداف والضوابط. ونعود لمسألة طرح خطة العمل، فنقول إن الأخ لم يطرح نفسه أساساً للترشيح كي يحضّر برنامجه الانتخابي، فضلاً عن أن هذا الخطة تكون نتاج تفكير فريق العمل (أعضاء القسم/الدائرة) الذي يعقد جلسات عديدة للتخطيط وتوزيع المهام.. ومن غير الطبيعي أن يعدّ الرئيس خطته بمعزل عن فريقه.

9- معايير الاختيار
عند التصويت لموقع معين، على الناخبين أن يحسنوا التفريق بين الموقع الشوريّ والموقع التنفيذيّ. فالأقسام التنفيذية تحتاج شباباً أصحاب همم عالية، يقدمون ويناطحون الصعاب، مع الكفاءة المطلوبة.. أما المجالس الشورية فهي تحتاج رجالاً أصحاب رأي وحكمة، أكسبتهم الممارسة على مدى سنوات طويلة خبرة في العمل الإسلامي، ولم تعد تسمح لهم ظروفهم بتحمّل تعب اللقاءات والمتابعات الميدانية. 
وهكذا، تلتقي حكمة الشيوخ مع حماسة الشباب، لتنتج عملاً سليماً متكاملاً. وبطبيعة الحال ليس لزاماً أن يكون صاحب الرأي كبيراً في السن، وإن كان الأصل أن يكون كذلك.
إذن، ليس النشاط والحيوية هو المعيار السليم لاختيار أعضاء المجالس الشورية، والعكس صحيح. 

10- طبائع النفس
تحدثنا عن حكمة الشيوخ وحماسة الشباب. لكن علينا أن نلحظ في هذا السياق أن الله عزّ وجلّ قد خلق البشر طبائع مختلفة، فمن الناس من يمتلك صفات القائد ومنهم الجندي، ومنهم من تجده مقداماً مغامراً، وآخرون تجدهم هادئين يغلب على تفكيرهم الحكمة والرأي (وهذا التنوّع موجود في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ومنهم الإنسان العملي، ومنهم من لا تأخذ منه إلا الكلام و"التنظير".
لنتخيّل قسماً حيوياً كقسم الطلاب مثلاً، أكثر أعضائه إخوة أصحاب قول لا فعل. ماذا ستكون النتيجة؟ قطاع طلابي خامل لا يأتي بخير، فيما يجب أن يكون هذا القسم هو محرك الجماعة ورافدها الأساسي.
لننتبه عند اختيارنا، أن هذا الصنف من الإخوة سيكون عبئاً على القسم، ووجوده مهم في حدّه الأدنى، فمن المهم أيضاً أن يكون بين الفريق من يراقب ويرصد الخطأ وينقد، النقد البنّاء.

11- لأجل التغيير
يتحمّس بعض الشباب متأثراً بما بثورات الربيع العربي ورياح التغيير، فيرى مشهد جماعته أمامه قاتماً يحتاج تغييراً ضرورياً كي يستقيم العمل، ويعيش حالة شعورية تدفعه للرغبة في الثورة على كل ما هو موجود من نظُم وواقع داخل الصف. فينجرّ للدعوة إلى التغيير، بمعزل عن تقييم هذا الواقع والنظر في أسبابه.. فيتحمس للمطالبة بتغيير الواقع حتى لو كان سليماً، وحتى لو كان البديل المطروح أقلّ مستوى وكفاءة. وهذا يعتبر قصوراً في النظر للأمور. 

12- الورقة البيضاء
نتيجة حالة شعورية معينة، أو خصام لم تفلح القيادة في علاجه، يلجأ بعض الناخبين لوضع ورقة بيضاء عند التصويت على اسم معين لمسؤولية ما، و"الورقة البيضاء" حق مشروع لكل مقترع في أيّة انتخابات في العالم.
لكن، إذا تفكرنا قليلاً بهذا الفعل، سنجده تخلياً عن مسؤولية "الحدّ الأدنى"، وهي المساهمة باختيار الأصلح، فالشهادة – مهما كان الموقع – أمانة يسألنا الله عنها يوم القيامة. وإن الحق الممنوح للهيئة الناخبة في المشاركة باختيار قيادة مواقع في العمل الإسلامي، يلقي على عاتقها مسؤولية شرعية، فضلاً عن التنظيمية، في اختيار الأكفأ للموقع.. وليس بين صفوف الجماعة صنف "اللامبالين"، بل الحريصين على اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، للارتقاء في الأداء.

13- التجرد عند الاختيار
قد تقع بين بعض العاملين في العمل الإسلامي مشاحنات شخصية، أو قد لا تتوفر الراحة النفسية بين شخصين هنا أو هناك.. وهذا طبيعي، فالعاملون للإسلام هم بشر أولاً وأخيراً يخطئون ويصيبون، والأرواح جنود مجنّدة. لكن عند عملية التصويت، على الأخ أن يضع موقفه الشخصي من "غريمه" المرشح. فإن كرهت أخاً لأمر شخصي بيني وبينه، وكنت أراه كفؤاً لمنصب معيّن، فالواجب أن أقدّم المصلحة العامة، وهذا أمر لا يطيقه الجميع، لكنه ترجمة عمليّة لأحد أركان البيعة "التجرد".

14- بشرية العاملين للإسلام
من الأخطاء التربوية التي يقع فيها بعض المربين في الصف الداخلي عند تربية الأفراد، تلك الصورة الملائكية التي يضفونها على إخوانهم العاملين في الحقل الدعوي وقادته، فيصفونهم أنهم "ليسوا طلاب مناصب، والمسؤولية تكليف لا تشريف، ونتميز عن غيرنا بتجردنا وحسن أخلاقنا وتفانينا...". هذا صحيح، هذه – في الأصل - أخلاق العاملين للدعوة ومفاهيمهم التي ينشأون عليها، لكن ليسوا جميعاً كذلك، ليسوا كلهم قالب واحد.. وكما كان الصحابة يتفاوتون في تقواهم وزهدهم وتضحياتهم، فمن باب أولى أن يكون هذا موجوداً في صفوف العاملين في العمل الإسلامي. والواقعة حين يفاجأ هذا الأخ حديث عهد، بأخطاء أو سلوكيات – كالتنافس على موقع أو محاولة التأثير على الناخبين لكسب أصواتهم - ما كان يتوقعها في فرد ينتمي لحركة إسلامية، فتتولد لديه ردة فعل سلبية، وقد ينزوي أو يصاب بحالة إحباط. وهنا نقول: إن انضمام الشخص لحركة إسلامية لا يلغي طباعه السيئة، بل يهذبها، فالطبع متجذر في نفس الإنسان، والالتزام يغير سلوكياتنا لكنه لا يقلب الطباع، وأقصى ما يمكن أن يفعل الالتزام هو أن يهذبها فقط. لقد اعترف رسول الله صلى الله عليه وسلم بميل أبي سفيان للزعامة وحظ النفس، ولم يحاول كسر هذا الطبع لديه بعد إسلامه، بل راعاها عند دخول مكة وقال: "ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن". ونعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم وقع بينهم خلاف على الزعامة في مرحلة تاريخية معينة.
على الدعاة والمربين أن يكونوا واقعيين في تربيتهم الأفراد ووصفهم العاملين للإسلام، خشية أن يصاب البعض لاحقاً بخيبة أمل إذا رأى نماذج لا تتحلى بهذه المثالية التي سمع عنها، وحظ من النفس لديها حاضر.
والاستحقاق الانتخابي هو من المفاصل التي يمكن أن تظهر خبايا النفس. نسأل الله الإخلاص والتجرد في العمل.

15- تضخّم كيانات داخل الجماعة
لقد منّ الله على الجماعة في لبنان أن انتشرت مؤسساتها العاملة في مختلف الاختصاصات التربوية والصحية والإغاثية والطلابية والخيرية... الخ على امتداد الساحة اللبنانية، ونمت المشاريع وتشكلت الأقسام واللجان لإدارتها.. هذا فضل من الله وخير، نسأل الله له الدوام. لكن مما يصيب العمل في مَقتل، حين يحدث أن تنمو كيانات داخل الجماعة الواحدة وتتضخّم، سواء كان هذا الكيان مناطقياً أو عملاً متخصصاً في ميدان معين (خيري أو رياضي أو...)، فتبدأ بالتسابق عند الاستحقاق الانتخابي على مواقع القرار أملاً في فرصة تحصيل مكاسب أكثر، للعمل طبعاً. لكن هذا الواقع يهدّد وحدة الصف، ويخلق حالة من العنصرية الحزبية داخل الصف الواحد، فيشتت الجهود ويضيع الأجر. وعلى قيادة الجماعة أن تحرص على ضبط أجنحتها المتخصصة وكياناتها الداخلية، وتنتبه لهذه الظاهرة عند الاستحقاقات الانتخابية.

16- فريق العمل
في النظام الداخلي للجماعة، تمتدّ الدورة التنظيمية لثلاث سنوات، فتجتهد الدوائر والأقسام أن تعطي أفضل ما لديها، وأن تنتقل بالعمل المكلفة فيه خطوات للأمام.. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود فريق عمل متجانس منسجم أفراده، لا تشغله مناكفات هنا أو هناك. ولذلك، فإن من حق مسؤول الدائرة أو القسم اختيار أعضاء فريقه الذين يقتنع أنهم سيعينونه في مهمته، مع مراعاة اختيار الكفاءات والتخصص. وفي نهاية الدورة التنظيمية ستحاسبه الهيئات المختصة.
ونظرياً، لا يحق لهذه الهيئات أن تحاسب المسؤول إذا تمّ فرض فريق عليه، فالحساب يكون على اختيار الإنسان وليس على ما ألزم به.

17- الفائز والخاسر
لا يغيب عنا أننا أبناء حركة إسلامية، نشأ أبناؤها على قيم ومفاهيم لا تجدها في كثير من الأحزاب العلمانية أو اليسارية. فديمقراطيتهم تعني أنهم يتنافسون على منصب ما، فإن فاز منافس تحوّل إلى "معارضة" ليعرقل عمل الفائز. أما أدبياتنا الإسلامية فهي أن يقبل الخاسر بالنتيجة ويتحوّل جندياً في فريق الفائز، عن رضى وطيب نفس. ومع انتهاء هذا الاستحقاق المرحلي يعود الجميع إلى مؤسساته الدعوية بمختلف اختصاصاتها، ليكون عنصراً إيجابياً في هذه المسيرة المباركة، ويتكامل في عمله مع الآخرين.


أدعو الله تعالى أن يتمّم هذا الاستحقاق على خير، وأن يوفق العاملين في الجماعة لاختيار الأكفأ في مختلف المواقع القيادية، ليتابعوا مسيرة من سبقهم.. والغاية في النهاية هي مرضاة الله عزّ وجلّ.
وختاماً، أسأل الله أن يفيد ما قدّمت، مع شكري الجزيل لكل من تفاعل وناقش وأثنى أو انتقد. والله من وراء القصد.
والسلام عليكم ورحمة الله


بيروت في 17/12/2015م


7/03/2015

حول مشاركة الجماعة الإسلامية في إفطار الحرس الثوري


بقلم: أيمن المصري

أثارت مشاركة رئيس المكتب السياسي للجماعة الإسلامية الأستاذ عزام الأيوبي في إفطار الحرس الثوري الإيراني في الضاحية الجنوبية استنكاراً واسعاً، وتسببت هذه المشاركة بموجة غضب في الصف الداخلي للجماعة والساحة الإسلامية في لبنان بشكل عام.

والآن بعد أن هدأت "الثورة" قليلاً، أودّ أن أتوقف عند بعض المفاهيم، والملاحظات التي برزت في هذه المحطة، مشيراً أنني أتحدث في هذه السطور بصفتي الشخصية ولا أمثل أحداً:

1- على قيادة الجماعة الإسلامية أن تراعي أن الساحة الإسلامية في لبنان لا تنظر للجماعة كمجرد جمعية أو هيئة، بل ينظر لها أنها الحركة الأم والفصيل المنظم الأكبر. وإذا كان الخطأ مقبولاً من جمعيات ناشئة (على فضلها)، فهو ليس مقبولاً من كبرى الحركات الإسلامية في لبنان، التي تتمتع بعمق فكري ونضج سياسي، وتاريخ من العمل الجهادي والدعوي والتضحيات الكبيرة، أكسبها خبرة ودراية في التعاطي مع الأمور.

2- الجماعة الإسلامية في لبنان لا تمثل في حركتها السياسية تنظيم "الجماعة الإسلامية" فقط، بل هي تعبّر عن ساحة عريضة. فالجماعة تخرج شيئاً فشيئاً – عبر أدائها السياسي والإعلامي المنفتح – من الشكل النخبوي المنغلق إلى العمل الجماهيري الواسع. وبالتالي، مطلوب من قيادة الجماعة عند اتخاذ أيّ خطوة من هذا النوع، مراعاة تفاعل الساحة الإسلامية بشكل عام وليس صفها الداخلي فقط.

3- حين تقرر جهة إسلامية ما الانفتاح على العمل العام ولاسيما الشأن السياسي، فهذا يحتم عليها اعتماد معايير مختلفة عن تلك المعتمدة في العمل الدعوي داخل الساحة الإسلامية، وهنا أعني تحديداً المرونة. وقدرنا أن الساحة اللبنانية تتميز بتنوّع طائفي ومذهبي وحزبي. فكيف يكون لك حضور في الساحة، إذا لم تعترف أنت بهذا التنوع وتتلاقى معه، فيتعرف على أفكارك ويسمع موقفك من القضايا الخلافية؟ وإلا، ستظل هذه الجهة تخاطب نفسها.

4- إذا كان البعض يعتقد أن العمل السياسي أو الإسلامي العام يعني أن أطلق موقفاً ثم أنزوي في مقرّي الحزبي، فهو مخطئ. العمل السياسي هو التواصل مع الآخر وتحصيل المصالح والتعاون في المشتركات.. وحين نقول "الآخر" فهذا يعني الآخر العلماني أو الشيعي أو الدرزي أو المسيحي أو الشيوعي أو... وحين نقول "الآخر" فهذا يعني أنك تختلف معه في قضايا معينة، وقد تكون كثيرة.

5- كل مؤسسة رسمية أو حزبية تضطر أحياناً إلى اتخاذ قرارات "غير شعبية"، تستفزّ ساحتها وتثير فورة غضب ضدّها. قد تتحمل المؤسسة هذا الضغط الشعبي (أو الحزبي) في مقابل تحصيل مصلحة ما، تراها قيادتها. ولو دخلنا في أحوال الأحزاب اللبنانية لرصدنا كثيراً من مثل هذه الحالات. 

6- من الأهمية بمكان، التدرج في كسر الحاجز النفسي لدى الرأي العام عند القرارات غير الشعبية، للتقليل من ردة فعله.

7- رغم الخلاف القائم، لكن في مرحلة ما، قد تفرض مصلحة سياسية أو إسلامية معينة، التلاقي بين الجماعة الإسلامية وحزب الله. حزب الله هنا هو "الآخر" الذي أختلف معه، لكن ثمة مصلحة مشتركة أو ضرورة معينة اقتضت التلاقي. فليكن، لكن لنشتغل قليلاً على ظروف اللقاء والتي تلعب دوراً كبيراً في جعله مقبولاً أو لا، كمثل: التعتيم على الإعلامي على اللقاء أو إعلانه – مستوى التمثيل – مكان اللقاء – زمان اللقاء - المشاركون فيه... هذه تفاصيل لا بدّ أن تراعى، فهي من الأهمية بمكان، إذا لم يؤخذ بها، قد تنقلب المصلحة إلى مفسدة.

8- إذا اقتضت مصلحة ما لقاء الطرفين، فمن غير الطبيعي أن يكون اللقاء في مناسبة عامة كالإفطار وسط جهات محسوبة على هذه الفئة. فهذه المشاركة باتت مجاملة للجهة الداعية، أكثر منها ضرورة لتحقيق مصلحة.

9- ذكر الأستاذ عزام الأيوبي في رسالته (غير الرسمية) أنه شارك برفقة الإخوة في حركة حماس (د. موسى أبو مرزوق) "الذي أسمع الحضور مواقفنا بكل جرأة وصراحة". وهنا أقول: أفهم الضرورة التي تحتم على الإخوة في "حماس" التواصل - لمصلحة ما - مع القيادة الإيرانية، ومعلوم مستوى التنسيق والدعم الإيراني السابق لحركة المقاومة في غزة. قد نفهم هذا الأمر لحركة حماس، لكن ما الضرورة التي تفرض على الجماعة الإسلامية التواصل مع الحرس الثوري الإيراني، ولا يجمعهما أيّ مصلحة أو تنسيق، لا سابق ولا حالي.

10- وإذا كان مقبولاً من قيادة الجماعة أن تلتقي قيادة #حزب_الله لمصلحة ما، فالحزب أولاً وأخيراً مكوّن أساسي في لبنان.. وإذا لم نقل إنه يمثل الجناح المسلم الشيعي في لبنان، فإنه على الأقل يمثل شريحة كبيرة من اللبنانيين. قد يكون مقبولاً التواصل معه، رغم الخلاف الكبير القائم حالياً، لكن ما الضرورة في التلاقي مع خصم لا تجمعنا معه أيّ علاقة سياسية أو شراكة وطنية.

11- الجماعة الإسلامية تنظيم مؤسسي تحكمه نظم وقوانين ومؤسسات متخصصة. ولا يمكن لخطوة بهذه الخطورة والحساسية أن تكون تصرفاً فردياً من رئيس المكتب السياسي للجماعة.

12- لفتني في الرسالة التي نشرها الأستاذ عزام الأيوبي حديثه عن "التسريب المقصود". وليعذرني الأخ الكبير الأستاذ عزام، فكيف يستبعد تصرفاً معيباً كهذا وفي المجلس من باع ذمته وطائفته من أجل منصب أو حفنة دولارات. وجميعنا عرف من ضمّ هذا الإفطار.

13- أكاد أجزم أن المشاركة في مناسبة أية جهة لبنانية، سيكون عليها أيضاً مآخذ، ودعوني أسرد لكم هذه الأسماء، تاركاً لكم استحضار تاريخ كل منها في أذية ساحتنا الإسلامية أو خلافنا معها: حركة أمل – حزب الله – القوات اللبنانية – وزير الداخلية – تيار المستقبل - التيار الوطني الحر – حزب الكتائب – الحزب التقدمي الاشتراكي – حزب البعث – الحزب القومي السوري... كل جهة من هذه الجهات بيننا وبينها خصومة (قديمة أو حالية).. وأنقل ما ذكره الأستاذ عزام في رسالته: "فكل من نلتقيهم في لبنان مثل بعضهم تجاهنا وتجاه إخواننا، فمن يقتلك في سوريا لا يختلف عمن يقتلك في مصر، وكذلك لا يختلف القاتل المباشر عمن يقتلك بالمال أو بالممالأة".

14- المشاركة في الإفطار استدعت ردود فعل واسعة، كان المشترك بينها الرفض والاستنكار. ومن حق الصف الداخلي للجماعة كما أبناء الساحة الإسلامية التعبير عن رأيهم، لا يملك أحد أن يمنع هذا الحق. وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في أن يشعر كل واحد منا أنه يحق له أن يقول ما شاء في ما يشاء. لكن المؤذي حقيقة كان انجرار البعض لثقافة الشتم والتخوين والتجريح الشخصي، وهذا ما لا يقبله شرعنا في خلافنا. وإذا كان أبناء الدعوة يتميزون بحسن أخلاقهم وتربيتهم، فلماذا ينسونها عند الاختلاف؟ لن نقول إن النصيحة يجب أن تكون في السرّ، فلنقلها في العلن، ويجب أن نقولها أحياناً، فنحن جزء من الرأي العام الذي يؤثر في مواقف قيادات الساحة الإسلامية.. لكن لماذا اللجوء إلى لغة تتعارض مع تربيتنا وديننا؟ فأيّ دعوة نحمل وأية رسالة سامية ننشر إذا كنا نحن فيما بيننا نشهر سلاح التخوين والتجريح كلما اختلفنا؟

15- من الضروري جداً على المشاركين في المجموعات على "الواتسآب" أن يعلموا أن أيّ كلمة يكتبونها هي عرضة للنقل والنشر. حتى لو كانت هذه المجموعة "الغروب" خاصة وتنظيمية. فليس من سرّ على وسائل التواصل الاجتماعي. وما أكثر المصادين في الماء العكر.


نسأل الله أن يلهم قيادة الحركة الإسلامية ما فيه خير ديننا، ولنتق الله في إخواننا وفي دعوتنا

1/19/2015

الكيد التنظيمي.. ظاهرة دخيلة على العمل الإسلامي

بقلم: أيمن المصري

نحزن على شريحة من الشباب الملتزم، انتسب لصفوف العمل الإسلامي، وارتضى أن يقدّم من وقته وجهده وماله، أملاً بنيل رضى الله جلّ وعلا، فإذا به ينجرّ إلى ممارسات سلبية مع إخوانه تتنافى مع أخلاقيات العاملين للإسلام فضلاً عن المنضوين في المشروع الإسلامي، فترى هؤلاء الشباب ينساقون إلى المناكفات الداخليّة ضمن المؤسسة الدعوية الواحدة، وبدل أن يكون انتساب الفرد للعمل الإسلامي باباً لتحصيل الأجر والثواب، يتحول عنده سبباً في كسب الإثم، لممارساته بحق من لا يوافقه طروحاته من إخوانه في الدعوة.

لا يخفى على العاملين في الحقل الإسلامي، لا سيما التنظيمي في الحركات الإسلامية، تسرّب أمراض بدأت تخلق مناخاً سلبياً، ويساعد في بروز مفاعيلها توفر أدوات مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهّل عملية النشر والتعميم. وأتحدث هنا تحديداً عن مرض "الكيد التنظيمي" داخل الصف. وهو – بلا شك - يشكل ظاهرة دخيلة على ثقافة العاملين في المؤسسات الدعوية، ويمكن إضافتها إلى أمراض العمل الإسلامي التي تحدث عنها الداعية الراحل فتحي يكن رحمه الله في كتابه "الإيدز الحركي".

والمشكلة حين لا يتوقف الكيد التنظيمي عند ممارسات "طامح" أو "مشاكس"، بل تعظم عند قيامه بالتأثير على مجموعة من الشباب حوله، فيشحن نفوسهم عبر تلبيس "مصالحه التنظيمية" شعارات دعوية وإسلامية عامة تدغدغ مشاعر بعضهم (الإصلاح – دور الشباب – تطوير الخطاب...)، فيتحمسون حاملين لواءه "الإصلاحي"، ليتحولوا لا شعورياً إلى مصدر إزعاج لـ "خصومه" في التنظيم، لاسيما عند الاستحقاقات الانتخابية.. 

فكيف إذا كان هذا الطامح على رأس مؤسسة تابعة للتنظيم، أو زعيم منطقة ما.. فإنه يستثمر هذا الموقع لتعميم الخصومة في نفوس من وليَ أمرهم، و"بدل أن تسخّر الجهود في العمل والإنتاج، تصفّى الحسابات بين أبناء الصف الواحد، ويصبح همّ كل فريق التخلص من الفريق الآخر" والكلام للداعية يكن. ويتحول الصفّ حينها إلى أجنحة متنازعة. والنتيجة أنبأنا بها الله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)..

إن هذا الواقع الطارئ – غير الصحّي - يفقد العمل الإسلامي بركته، ويشغل أبناءه بأبنائه. فأيّ دعوة ستكون؟ وأيّ رضا من الله سنفوز؟ ويا فرحة الشامتين!


من النخبوية إلى الجماهيرية
ولعل حالة الانفتاح التي عاشتها الحركة الإسلامية، وخوضها غمار العمل العام، واختلاطها بالأحزاب اليسارية والعلمانية في الميدان النقابي أو الطلابي أو السياسي.. قد فتح كوّة لتتسلل هذه الظاهرة إلى صفنا الإسلامي.

كما لا يغيب عنا أن انتقال العمل الإسلامي من حالة النخبوية، في مرحلة التأسيس أو مرحلة التضييق، حيث يجتهد مربّو الحركة الإسلامية في تربية أبناء الصف وتزكية نفوسهم.. هذا الانتقال من العمل النخبوي إلى مرحلة العمل الجماهيري المنفتح.. له ضريبة، حيث تنخفض معايير قبول المنتسبين إلى الصف، ويتوزع اهتمام المؤسسة الدعوية على جوانب متعددة، إحداها التربية، ما ينعكس ضعفاً في التركيز على الشأن التربوي للصف الداخلي.

وهذه الضريبة بلا شك تقابلها حسنات أخرى مهمة في مسار المشروع الإسلامي، لكن المفاعيل السلبية في الشأن التربوي يمكن أن تسري على المنتسبين الجدد، وعلى البيئة الحاضنة للحركة الإسلامية، وليس مقبولاً أن تنال من صفوة أبنائها وكبارها.


بشرية الدعاة.. ولكن
ولعله من المفيد أن نذكّر أنفسنا دائماً بأن العاملين في الحقل الدعوي – حتى لو كانوا أقطاباً - هم بالنهاية بشر، يصيبهم ما يصيب غيرهم من أمراض النفوس، فالانتساب للدعوة لا يضفي عصمة من العيوب.. لكن الأصل بمن ينتسب إلى العمل الإسلامي أنه جاء ليعطي لا ليأخذ، ليضحّي بما يملك من مال ووقت لا ليكسب، وهو يعلم أن مواقع المسؤولية هي تكليف لا تشريف. هذه المفاهيم يتربى عليها العاملون في أولى مراحل الدراسة الحركية، وانضمامهم للصف يعني قبولهم بهذه المفاهيم والتزامهم بها.

وإذا كان التاريخ الإسلامي قد شهد نماذج من شخصيات تنازعت على السلطة وسعت إليها بوسائل غير شريفة، فإن هذه النماذج كانت جزءاً من الحياة العامة ولم تكن منتسبة إلى مؤسسات تقوم أساس فكرتها على البذل والتضحية.


أخيراً.. إلى الشباب
وأهمس أخيراً إلى بعض الشباب المنخرطين حماسة في صراعات الكبار من حيث لا يدرون.

لقد منّ الله علينا بنعمة الالتزام الديني في هذا العصر الذي يتيه فيه شبابه في ضياع وفساد مهلكَين.. وكانت النعمة الأكبر أن كنا ممن اصطفاهم الله وسخّرهم لخدمة دينه والقيام بأمر دعوته، قال تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً)، (ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)... وقد أنعم الله علينا بأن فهّمنا أمر ديننا، فلم ننزلق إلى تطرف هنا أو تهوّر هناك، بل أكرمنا بانتسابنا لفكر إسلامي سويّ.. إذا كان الله قد يسّر لنا هذا الخير كله، ونفاخر بتمايزنا عن الآخرين من أصحاب الدعوات المفسدة بأخلاقنا وسموّ أهدافنا.. فكيف ينزلق بعضنا إلى مثل تلك المنحدرات؟

أليس رضا الله هو غايتنا؟ والدعوة إلى الله طريقنا؟ فكيف نرضى أن نكون سبباً في إضعاف العمل الإسلامي من خلال التناحر الداخلي؟

ولنتذكر دائماً - كما يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد - أن "الجماعة أقوى من الفرد مهما تفاصح والتاف وتمسْكن، تغلبه في النهاية بإذن الله إذا غالَبها".

ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا الذي وصف العاملين للدعوة بأنهم "روح جديد يسري في قلب هذه الأمة، فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله".
فهلاّ عشنا هذه الروح؟



1/13/2015

النقد التنظيمي.. بين الخاص والعام

بقلم: أيمن المصري

"هذا الكلام ليس هنا مكانه.. كان الأولى بك أن ترسل رأيك إلى القيادة، لا أن تنشره.. أنت تكشف ظهر التنظيم".. هذه العبارات ومثلها توجّه إلى كل من يتجرأ على مناقشة إشكالية أو موقف صدر عن المؤسسة الدعوية التي ينتمي إليها، أو بالعمل الإسلامي بشكل عام، فيطرحها عبر مقال في الإعلام أو على صفحته الشخصية.
ولو قدّر لبعض القيادات أن يحجر على رأي الآخرين ويمنعهم من طرح ملاحظاتهم وآرائهم الخاصة، لفعَـل.. لكن حالة الحرية التي انتقلنا إليها في بعض أقطارنا، والثورة المعلوماتية التي اقتحمت حياتنا اليومية، أضعفت الخصوصيات الحزبية والسرّية التنظيمية، وخدشت مفاهيم مثل الثقة والطاعة التي يتربى عليها أبناء الحركة الإسلامية.

وهنا علينا أن نعترف بأن انخراط أبناء الحركات الإسلامية – شأن عموم الناس - في ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي تحديداً، فتح المجال واسعاً لكل فرد أن يقول ما شاء في ما يشاء، وبات يشعر البعض أنه معنيّ بأن يكون له موقف معلن في كل ما يدور حوله، دون أيّ اعتبار لأهليّته في الرأي أو الفتوى، ودون مراعاة لبعض الخصوصيات الداخلية، بل وحتى دون احترام للمستويات التنظيمية داخل المؤسسة الدعوية.. هذا الواقع أدى إلى نشوء ظواهر سلبية داخل صفّ الحركة، على الصعيدين التنظيمي والتربوي.


حقائـق تجب مراعاتها
لا بدّ لنا عند تناول هذه الظاهرة من أن نلحظ عدة حقائق باتت تقترب إلى المسلّمات، أولها: أن العمل الإسلامي شهد في الفترة الأخيرة، لاسيما مرحلة الربيع العربي، محطات غير اعتيادية، وكان لها تداعيات خطيرة على مسار العمل الإسلامي في بعض الأقطار، ما استدعى نقاشات حادّة وتباينات في الآراء، في الأروقة الداخلية فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي.. وإذا لم يتصدّ لتلك المفاصل أصحاب الفكر والرأي في الساحة الإسلامية، فيبيّنون المنطلقات والتأصيل الشرعي أو الحركي، فإن هذا الفراغ يفتح باب المناكفات الداخلية والاجتهادات الهجينة من غير أولي الاختصاص، والتي قد تؤذي الجسم الدعوي.

الحقيقة الثانية، أن تطور الخطاب هو سنّة طبيعية، سرى على جميع الأحزاب والحركات الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين "التي انتقلت من رفض العمل الحزبي في البدايات إلى المطالبة به، ومن التردد حيال الانخراط في العملية الديمقراطية إلى القبول بأكثر شروطها" كما يقول الأستاذ ياسر الزعاترة. ومثل هذه التحولات لا يحدث بقرار يصدر في اجتماع قياديّ، بل يكون نتاج حوارات داخلية وجدل طويل وأخذ وردّ. لذلك، فإن الإفساح بهذا الهامش من النقاشات، وفتح القنوات الداخلية السليمة لتبادل الآراء.. يساهم في إنضاج الأفكار وتطويرها.

ثالثاً، "ليس من المعقول المناداة بالحرية خارج التنظيم، والقبول بعكس ذلك داخله"، والكلام للدكتور عبد الله النفيسي. ويضيف: "إن انتقادنا للحركة الإسلامية لا ينبغي أن يفهم منه أننا نعاديها، بل بما يعني أننا أكثر حرصاً عليها وقلقاً على مصيرها.. ولنكن أوضح ونقول إن الدين أمر ربانيّ لا نقبل نقده، والحركة الإسلامية جهد بشريّ محض معرّض للخطأ والصواب". والمطلوب هنا من قيادات العمل الإسلامي أن لا تفرض هذا الجدار (التابو) بين النظم وبين أبناء الصفّ، فتبالغ بإضفاء صفة القداسة على قراراتها ونظمها الداخلية.. بالنهاية، هي اجتهادات بشرية.

الحقيقة الرابعة: الأحزاب الكبرى تقوم بتمويل مراكز أبحاث لإجراء استطلاعات رأي لاستمزاج ميول قواعدها الشعبية ومعرفة مزاج الرأي العام في القضايا التي تطرحها..  ومن واجبات هذه المراكز أن ترصد ما يكتب عن هذه الأحزاب، فتستأنس بها، وتكون من المصادر التي تعتمد عليها في دراسة واقع بيئتها الحاضنة. إذا كان هذا واقع الأحزاب السياسية، فكيف بالحركات الإسلامية التي تمرّ بمفاصل مهمة وتحولات خطيرة في مسارها. إن هذا الواقع أدعى للحركات الإسلامية أن تتلمّس خطواتها بالاستماع لنقد أصحاب الرأي، لاسيما الغيورين على المشروع الإسلامي.


حاجة المشروع للحراك الفكري
معلوم أن المشروع الإسلامي يحتاج جهود جميع أبنائه بمختلف تخصصاتهم وكفاءاتهم، فالناس طبائع متنوعة وتختلف ميولهم وإبداعاتهم، منهم من يفيد المشروع الإسلامي في عمله الميداني، ومنهم من يفيد في ماله، ومنهم في رأيه أو حتى نقده. وقد لفتني تقديم لمقالة كتبها أحد الباحثين من أبناء الحركة الإسلامية فقال: "في ذكرى انطلاقتها، أقدّم للحركة الإسلامية هذه الهدية، جعلتها في هذه القراءة النقدرية لواقعها الحالي". ولعل هذه الهدية ستفيد قيادة الحركة أكثر بكثير من كلمات الإطراء والمديح.

إن التنظيم الذي يعطل عقول أبنائه ويربيهم على منطق الطاعة العمياء، مصيره الموات. والتنظيم الذي يتعاطى مع أفكاره وآليات عمله على أنها ثوابت لا يمكن المساس بها، ذاهب إلى الانزواء والتقوقع.

مطلوب من أبناء التنظيم أصحاب الرأي أن يؤدوا واجب النصح، ومن حقهم أن تسمع لهم قيادتهم.. كما على قيادة التنظيم أن تتفاعل مع الباحثين الذين يدورون في فلك التنظيم وتسمع لهم، فهم الذين يراقبون الأداء من الخارج، وهذا يعطيهم ميزة القراءة المتجردة، بعيداً عن أيّ مؤثرات أو ضغوطات.

لكن في المقابل نقول: يكفي الحركة الإسلامية ما تتعرض له من سهام وضربات، وهي تنتظر من أبنائها الصمود والتعاضد وليس التخذيل وتشتيت الصف.

فكيف نوازن في تحقيق هاتين المصلحتين؟


ضوابط تجعله مقبولاً
سأعرض بعض الضوابط التي إذا روعيت، فأحسب أن النقد المعلن حينها يصنّف في خانة التسديد المطلوب:
1- أن تكون النية صادقة لله، وليس كشف العيوب أو الكيدية.
2- التزام أدب الخلاف وتجنّب حظ النفس، فالجميع أبناء دعوة، جمعهم العمل لله وليس لمصالح دنيوية. 
3- تجنّب ذكر أسماء الأشخاص أو الجهات. ونتأسى بهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام...".
4- أن يكون الناقد خارج دائرة القرار في الملف المطروح، فالأصل أن لديه الفرصة لعرض رأيه أمام الجهة المعنية، ولا ضرورة لنشر ملاحظاته حتى لو لم يؤخذ برأيه.
5- حسن اختيار التوقيت، كي لا يحسب كلامه أنه يصبّ في خانة تثبيط الهمم أو التخذيل عند استحقاق معين.
6- مكان النشر فيه رسالة ضمنية تدلّل على نوايا الكاتب. فإذا نشر مقالاً ناقداً للحركة الإسلامية في صحيفة جهة حزبية أخرى، فهذا يدلل على الكيدية. أما إذا كان الطرح في منبر محترم محبّ للحركة أو تابع لها، فهذا يعطي انطباعاً عن صدق الهدف.
7- التزام السياق الجدّي في الطرح، بعيداً عن الغمز والاستهزاء.
8- الحرص على عدم كشف الثغرات التي تؤتى منها الحركة، فإذا كان من فسحة في النقد الذاتي، فهذا لا يلغي الخصوصية للمؤسسات الدعوية.
9- إذا تعارضت مصلحة وحدة الصف مع الإشكالية المطروحة، أياً يكن صوابها.. فالأولوية تكون لوحدة الصف.
10- أحياناً يكون الهدف من طرح إشكاليات معينة في العمل الإسلامي ليس النقد ولا النصح، بل فتح نقاش وتداول، وصولاً لتشكيل رأي عام، أو لإثراء التجربة بأفكار وآراء عامة.
11- المكان السليم للنقاش والمحاججة هو القنوات الداخلية، هذا هو الأصل، لا أن يلجأ للتشكيك وإطلاق الأحكام في العلن قبل أن يسمع من قيادته وجهة نظرها.

وتبقى نقاط ثلاث ينبغي التأكيد عليها:
1- تحكم التنظيم نظم داخلية، ويستند إلى "أركان" ومفاهيم تربى عليها أبناؤه، ومنها "البيعة والسمع والطاعة في المنشط والمكره". فأبناء الصف المنتظمون ملزمون بالسمع والطاعة حتى لو خالف هواهم. وهنا أستحضر كلمة للمربي الراحل الشيخ فيصل مولوي رحمه الله قال: الفرق بين ديمقراطيتنا وديمقراطية الآخرين، أنهم إذا اختلفوا في إطار المؤسسة الواحدة وتباينت الآراء عند التصويت، يتحول المخالفون للقرار إلى معارضة ويسعون إلى إفشال مشروع الآخر.. أما نحن في تربيتنا الإسلامية، فإذا اختلفنا في الرأي وتوزعت الأصوات عند اتخاذ القرار.. يلتزم الجميع بقرار الأغلبية، وأولهم المخالفون.
2- المسؤولية الشرعية والدعوية تنتهي عند طرح الرأي ونقاشه. والقيادة ليست ملزمة في اعتماد كل ما يطرح الآخرون. وبالتالي، لا يجب اتخاذ مواقف سلبية من التنظيم في حال عدم العمل بالنصيحة.
3- من حق الفرد أن يعبّر عن رأيه ويناقش موقفاً ما أو أداءً للقيادة في أحد الملفات، أما أن تكون نظرته سلبية في جميع مواقف التنظيم، ويعبّر عن عدم قناعته بالأداء العام لجماعته التي ينتمي إليها، فهنا يمكن القول أن "الثقة" لم تعد موجودة، ما يستدعي وقفة مهمة ليطرح على نفسه سؤالاً جريئاً: ما الذي يجعلني أستمرّ في مؤسسة دعوية لا أقتنع بأدائها وخطابها.

نسأل الله أن يسخّرنا لما فيه خير الدعوة، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل.


1/04/2015

حين ينقلب ابن التنظيم إلى خصم

بقلم: أيمن المصري

كما في الأحزاب، تحدث في مسيرة الحركات الإسلامية حالات استقالة لأفراد منها أو استعفاء من الانضواء ضمن صفّها، حيث يجد الفرد أنه لا يطيق الالتزامات الفكرية أو السياسية المتبعة، أو أنه لا يتقبل تطبيق مفاهيم مثل الانضباط والسمع والطاعة والتجرد، فيأخذ قراراً جريئاً بالاستعفاء.. وهو في هذا القرار ليس مخطئاً، فلقد خلقنا الله عزّ وجل طبائع مختلفة، في التفكير والالتزام والقدرة على التحمّل. ومعلوم أن الانتماء لإطار إسلامي هو وسيلة في العمل الإسلامي وليس غاية لذاتها.

لكننا نستغرب من أفراد كانوا فاعلين ضمن الصف الإسلامي، وفجأة ينحون باتجاه مغاير، فيتحول هذا الفرد من ناشط متفانٍ للدعوة، إلى خصم ينقد أداءها في العلن.. أو تراه يتخفف من التزامه الديني، فلا يكتفي بترك الجماعة، بل يتخلى عن سمته الإسلامي وسلوكه الملتزم.

لا شك أنه مخطئ في فعله هذا، فإذا كان من حقه الطبيعي الاستعفاء، فإن الأصل أن يحفظ حق العشرة، ويكون "التفريق بإحسان"، فيبقى على علاقة طيبة مع إخوة شاركهم العمل الإسلامي، بحلوه ومرّه، على مدى سنوات.

لكن دعونا نغوص قليلاً في خلفيات هذا الانقلاب الشخصي لأخينا، فلربما لم يكن هذا التوجه باختياره بل دفع إليه دفعاً، ولعلنا نفاجأ حين نكتشف أن القيادة تتحمل جزءاً من المسؤولية في ما صار إليه الأخ.

وكما نقول دائماً، أبناء الحركة الإسلامية، حتى وإن تصدّروا للعمل الإسلامي وتحملوا المشاق وارتضوا التضحية من أوقاتهم ومالهم وراحتهم.. هم بشر من أحاسيس ومشاعر، وليسوا ملائكة وقوالب جامدة.. فيهم القوي وفيهم الضعيف، فيهم صاحب النضج الفكري وفيهم طريّ العود.. فيهم العنيد الذي يواجه نقداً علنياً ولا يهزّه بشيء، وفيهم الرقيق الذي ينهار عند أول محنة يمرّ بها.

سأعرض بعض الشواهد من واقع الحياة، التي تدلل على دور للقيادة في خصومة أحد أبنائها لها:

1- لظروف معينة، حياتية أو مهنية.. يضطر الأخ للانسحاب من واجهة العمل والتخفف من الظهور في الأنشطة العامة، وفي المقابل نراه مشاركاً في مناسبات لجهات اجتماعية غير ملتزمة أو حزبية أخرى.. فتبدأ ألسنة إخوانه من أبناء الصف – وليس القيادة - تلوكه وتتجرأ على اتهامه في أخلاقه أو دينه، وقد يصل الكلام إلى حدّ  الاتهام بالارتباط بجهات أمنيّة.. وهذا ما يستفزّه استفزازاً كبيراً.
ليس كل الناس يستحمل هذا التجريح والتشهير، وليس كلهم يملك سعة الصدر. وهنا، إذا لم تضع القيادة حداً لهذه الاتهامات الباطلة فتعلن – داخلياً – علمها بظروفه وإجازتها له، فإن هذا الجوّ سيدفعه إلى الانسحاب من الصف، ولربما - رغماً عنه - إلى الانقلاب على هذا المحضن الدعوي الذي لم يحترم ظروفه الخاصة ولم يحسن الظن به. 


2- يحدث خلاف بين فردين من أبناء التنظيم في شأن داخلي، ويتهم أحدهما – تجنياً - بأمانته أو أخلاقه، بعد سنين طويلة من العطاء في التنظيم. ويشيع أمر الاتهام. وهنا، إذا لم تتعاط القيادة بجدّية فتشكل لجنة تحقيق لجلاء الأمر، فإن بقاء التهمة على هذا الفرد سيؤذيه معنوياً، وسيدفعه للانسحاب وترك الصف.. وكلما بُني على هذا الاتهام (حذر أو توجس منه لدى الآخرين)، زاد الأخ بعداً وخصومة مع الجماعة. 

3- ناشط كان يقود قطاعاً معيناً في العمل الإسلامي (الطلاب - الدعوة -الرياضة...)، وكان متفانياً في عمله ويحمل عبئاً كبيراً في إدارته.. لكن لخلاف وقع مع قطاع آخر في التنظيم أو قيادته.. يستغنى عنه بشكل استخفافي يشعره أن كل عطائه وتضحياته ليست محل تقدير.. وبلحظة ضعف بشري ينساق إلى الانسحاب من الصف نهائياً عن غير رغبة منه.. وكلما كان نضج الأخ خفيفاً كلما زادت الخصومة بينه وبين التنظيم.

4- معلوم أن وصول الفرد إلى موقع مسؤولية في التنظيم يتطلب مروره بمراحل عديدة من التأهيل والممارسة لاكتساب الخبرة.. لكن لظرف ما، تتسرع القيادة في تصدير أحد أبنائها لمسؤولية معينة متجاوزة السنّة الطبيعية بالتدرج.. وبحسب ركن "السمع والطاعة"، يرضخ الأخ لقرار قيادته ويتحمل مسؤولية هذا العمل، فالثقة أحد "أركان البيعة".. لكنه في طريقه يواجه عقبات ليس مؤهلاً للتعامل معها، فيفشل في مهمته.. فيصاب بإحباط شديد، خصوصاً إذا لم يجد عوناً ممن حوله. وهذا ما يدفع البعض للانطواء ناقماً على القيادة.

5- يحكم الحركات الإسلامية نظام داخلي يحدد الواجبات والحقوق والصلاحيات.. ومن حق القيادة أن تعفي (تفصل) أحد أبنائها إذا ارتكب مخالفات معينة، بحسب النظام المعتمد. والأصل في هذه الحالة أن تعقد جلسة بين لجنة منتدبة وهذا الأخ، وتبلغه قرار الفصل، على أن تحفظ خصوصية الفرد في ستر مخالفته، لاسيما إذا كانت مسلكية. لكن يحدث أحياناً – عن قصد أو غير قصد – أن يشيع خبر معصية الأخ بين أبناء التنظيم، ما يتحول إلى تشهير وفضيحة.. أو أنه يعرف بخبر فصله ممن حوله دون أن يبلّغ بشكل رسمي، ما يترك جرحاً عميقاً داخله.. وأيضاً قد يحوّله إلى خصم.

هذه بعض الأمثلة العملية التي واجهت أفراداً في الدعوة، نقلتهم من العمل ضمن الصف إلى ناقمين، أو حتى إلى خصوم..

ودائماً نكرر: أبناء التنظيم بشر من لحم ودم وأحاسيس.. وهذا ما يحمّل القيادة عبئاً إضافياً في حماية أبنائها من هذه المنزلقات.

ولا بدّ ختاماً من التنويه أن ما ورد ليس بهدف تقديم تبرير لأيّ فرد فارق الجماعة، وليس بقصد تحميل القيادة المسؤولية عن كل حالة خروج من الصف.. إنما كان القصد الإشارة إلى دور ما قد تقع فيه القيادة عن غير قصد منها، يدفع الفرد إلى اتخاذ موقف سلبي، قد يتمثل بالانسحاب من العمل، أو من التنظيم نفسه، أو حتى بالانقلاب خصماً.. والأخطر، ما ينعكس على الالتزام الديني.

4/28/2014

قـد يكـون تـرْك الصـفّ.. خـيـراً

بقلم: أيمن المصري

قرأنا في أدبيات الحركة الإسلامية الكثير عن أهمية العمل الجماعي في الإسلام وتأصيله الشرعي في الكتاب والسنّة والقياس، حيث "لا يستطيع الفرد بطاقاته المحدودة أن يحقق الأهداف الكبرى إذا لم يضمّ جهده إلى غيره، لاسيما في ظل التكتلات السياسية والأمنيّة التي تحوط بالمسلمين". واعتبر الشهيد سيّد قطب أن "هذا المنهج الإلهي إنما يتحقق بأن تحمله جماعة من البشر تؤمن به وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين". وقد نظّر مفكّرو الحركة الإسلامية في متطلبات العمل الجماعي، فكان في مقدمتها: التنظيم.
ومن المفيد - ابتداءً - أن نعود إلى تعريف التنظيم لنجد أنه: "أداة لتحقيق الأهداف المرجوّة من خلال تعاون البشر". فيكون العمل المنظم هو أحد الأدوات لتحقيق هدف ما – وهو الأهم – لكنه ليس الوحيد.
وكلنا يدرك أهمية مأسسة العمل الإسلامي تخطيطاً وتنظيماً وإدارة وتوجيهاً للطاقات وتوظيفاً لها، وبطبيعة الحال لا أريد التقليل من أهمية العمل الجماعي.. لكن، هل يمكن حصر العمل الإسلامي بالالتزام في إطار ما، وهل تنحصر الدعوة إلى الله من خلال إطار دون سواه.

إن الانتماء إلى "تنظيم" - أو إطار - إسلامي يفرض التزامات فكرية وسياسية وشخصية واجتماعية ومالية، فمن "السمع والطاعة في المنشط والمكره" لقيادة "التنظيم"، إلى الالتزام بالموقف السياسي الذي اعتمده "التنظيم" عبر مؤسساته، إلى احتمال التعرض لأخطار معيّنة، فضلاً عن تقديم الوقت والجهد...
وليس كلنا يطيق هذه الالتزامات، وليس كلنا مستعدّ لتطبيق مفاهيم الانضباط والتجرد، وليس الكل تربى على البذل والتضحية وتحمّل الضغط النفسي أو الأمنيّ، أو حتى السمع والطاعة إذا لم يكن مقتنعاً بقرار ما. فلقد خلقنا الله عزّ وجل طبائع وأنماطاً مختلفة، في التفكير والانتماء والالتزام والقدرة على التحمّل.

ولقد وجدنا هذا التنوّع في عصر الصحابة رضي الله عنهم، حيث لم يكونوا كلهم قالباً واحداً.. فبين شخصية عبد الله بن عمر صاحب مدرسة العزيمة وعبد الله بن عباس صاحب مدرسة التيسير، وبين عمر بن الخطاب الشديد المتحدّي وعثمان بن عفان الحييّ الرقيق.. وشخصية الصحابي المتمرّد أبي ذر الغفاري الذي فضّل النفي الذاتي هاجراً ما اعتبره مخالفاً لقناعاته.. ومن الصحابة من اشتهر بشجاعته وآخر من عرف عنه عدم جرأته.. وأخيراً الصحابي أبي سفيان الذي كان يحب الشهرة والوجاهة حتى بعد إسلامه.
لقد اعترف رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا التنوّع ولم ينكره على أصحابه، ولم يفرض عليهم تطويع النفس والانغلاق في قالب واحد.

وفي العمل الإسلامي نقول إنه من الخطأ الكبير الذي قد يرتكبه "تنظيم" أن يقبل العنصر الحزبيّ المطيع والمنفّذ حصراً.. فهذا الشخص سيتحول مع الوقت إلى "حالة من الانتظار الدائم للتعليمات ويفقد روح المبادرة، فيتحول التنظيم حينها إلى آلة كبيرة صمّاء"، كما وصفها الدكتور عبد الله النفيسي.

إن التنوّع مطلوب في كل عمل، ومن باب أولى في هذه المساحة المشتعلة حراكاً وتحديات وظروفاً طارئة، والتي طال بها العمر فباتت تشهد تفاوتاً في الأجيال المنتمية، أعني بها ساحة العمل الإسلامي. والأصل في قيادة "التنظيم" أنها تجتهد في فتح المجال للنقاش الداخلي والحراك الفكري، فهذا يضفي حيوية في الأداء ويفتح الباب واسعاً أمام التجديد والتطوير والخروج عن أنماط ثابتة في العمل ينبغي تحديثها مواكبةً لتطور وسائل التواصل في المجتمع، واختلاف الثقافات من جيل إلى جيل.

لكن علينا أن نعترف في الوقت نفسه أن أيّ مؤسسة عاملة تحتاج حالة من الاستقرار الداخلي حتى تتمكن من مواجهة التحديات والطعنات من الخارج، ولن يفلح "تنظيم" في تحقيق أهدافه إلا إذا توفرت في صفوف أبنائه الثقة وروح الانتماء، وإلا قضى وقته وجهده في المناكفات الداخلية، وانشغل عن العمل لتحقيق أهدافه التي من أجلها تأسس وعمل.

إن الحراك الفكري والتنظيمي في صفوف الحركة الإسلامية مطلوب، بل هو ضروري، لاسيما في هذه الظروف الاستثنائية، شرط أن لا تطغى حالة الحراك على الاستقرار، وشرط أن يكون هذا النقاش إيجابياً لا هدّاماً سلبياً، والأهم أن يلتزم الضوابط الشرعية.. فأبناء هذه الجماعة أولاً وأخيراً قد انتسبوا لها من أجل العمل للإسلام وكسب رضا الخالق جلّ وعلا، ولا يعقل أن يتحولوا ضمن هذه المساحة الربانيّة إلى مجموعة من الشتامين والمغتابين المنغمسين في تشويه من لم يتوافق مع هواهم، وهدم الثقة في نفوس المنتمين لهذه الحركة تجاه قيادتهم.. وإلا انقلب "الإصلاح" إلى مفسدة كبيرة، سيحاسبهم الله تعالى على نتائجها.

وهنا قد يقول قائل: التنظيم ليس ملكاً للقيادة أو لفئة منه، ومن حق الأفراد النقاش والمطاحنة من أجل الإصلاح وتغيير الواقع. أقول: هذا صحيح، لكن التدافع الداخلي لا يمكن أن يطال أساسيات المنهج الذي انتسب على أساسه هذا الشخص بعد أن أعلن قناعته بهذا الفكر وثقته بقيادته.. فإذا انتفت هذه الثقة، أو لم يعد الشخص مقتنعاً بأفكار التنظيم، أو اختلف معه في خياراته الفكرية أو السياسية ولم يجد أفقاً للتلاقي، أو لربما طرأت على أخينا ظروف وجد نفسه معها غير قادر على الالتزام بمتطلبات الانتماء.. فالأصل أن يطلب الاستعفاء من التزامه، فينتسب إلى جمعية أخرى، أو يكون حراً من أيّ التزام حزبيّ أو مؤسسيّ.. ولربما يكون الخير للطرفين في الانفصال مع حفظ الودّ والفضل بينهما، فذلك خير من أن يصلا إلى حدّ التجريح الشخصي والاغتيال المعنوي.. وهذه ليست أخلاق العاملين للإسلام.

ويخطئ أبناء التنظيم إذا اعتبروا أن من ترك صفوفهم متخاذل، بل الأصل أن تبقى علاقة المودة قائمة.. وأيضاً يخطئ ذاك الذي استعفى من التزامه حين يعتبر الخطأ من القيادة، فلربما يكون الطرفان صالحين يحملان همّ الدعوة بصدق، لكن لا يمكن لهما التلاقي، لأسباب تتعلق بكليهما.
وإذا كان رب العالمين قد شرع للزوجين "التسريح بإحسان" في حال عدم تحقق التناغم والتفاهم، دون أن يذمّ طرفاً منهما، فهذا الإحسان أدعى أن يكون بين المؤسسة الإسلامية وأبنائها.

وأذكر أنني حضرت جلسة مع بعض الإخوة تم التطرق فيها إلى صديق قرّر الاستعفاء من التزامه في صفوف الحركة الإسلامية لأسباب معيّنة، فكان أن نال بعض الحاضرين من الرجل فلجأوا إلى أسلوب التجريح والطعن باعتباره من "المتساقطين على طريق الدعوة"، وتحدثوا عنه من باب من أجرم بحق دينه ونفسه، انطلاقاً من مفهوم الربط الوثيق بين هذا الإطار الإسلامي وبين العمل للإسلام.. وهذا خطأ يقع فيه أبناء الحركات الإسلامية، حيث يعيشون حالة من النرجسية الحزبية تجعلهم ينظرون نظرة فوقية لمن هم خارج حزبهم أو جماعتهم.

لقد شهدنا في لبنان وغيره عدداً من الحالات لإخوة وأخوات اختاروا الانفصال، وكان الخير بالنهاية للعمل الإسلامي. وليس أدلّ على هذا من مثال الراحلة الدكتورة منى حداد يكن، التي التزمت أول أيام عطائها في صفوف الحركة الإسلامية، لكن طبيعتها الاستقلالية لم تتوافق مع ما يتطلبه الانتماء الحزبي، فكان الخيار أن تنفصل عن هذا الإطار لتعمل مستقلة. وها قد رأينا ما أسسته من عمل طيّب ومؤسسات، لربما ما كانت لتنجح في تأسيسها لو بقيت منضوية في صفوف الجماعة. وقد بقي الودّ والتعاون بين الطرفين حتى وفاتها رحمها الله. فكان ترك الصف في هذه الحالة خيراً لها وللجماعة.

وحريّ بنا القول إن العمل الإسلامي أرحب وأوسع من أن يحدّه تنظيم أو حزب أو جماعة، مع تثبيت الفضل لتلك الفئة التي ارتضت الالتزام في العمل الإسلامي المنظم، وتحمّلت بذل الجهد والوقت والنفس والمال من أجل دعوتها.

وأختم، حقّ للمنتسبين في صفوف الحركة الإسلامية أن يفخروا بانتمائهم لرسالتها وفكرها، وعليهم أن يشكروا الله أن هيأ لهم أسباب الانتماء للعمل الإسلامي المنظم، لكن هذا لا يجب أن يوقعهم بمرض العصبية الحزبية.. فنحن جماعة من المسلمين لا جماعة المسلمين، نتكامل مع كل مؤسسة أو جماعة أو فرد يعمل للإسلام.. وفي كل خير.

2/07/2013

حين يأسرنا الإعلام في حركتنا الدعويّة

بقلم: أيمن المصري 

لطالما عانت ساحتنا الإسلامية في لبنان من ضعف في حرفة الإعلام، ومردّه إلى أسباب عديدة، منها: قلّة الإمكانات المادية، تطبيق في غير محله لمفهوم الإخلاص والتجرد، بالإضافة إلى ظروف سياسية وأمنيّة طارئة.. ما أدّى إلى هزال الحضور الإسلامي لدى الرأي العام. 

وكثيراً ما واجهت الدوائر الإعلامية في الحركة الإسلامية شحّاً في المواد الإعلامية التوثيقية (صوت – صورة - فيديو) عند عودتها إلى الأرشيف للإعداد لإنتاجات وثائقية عن مراحل سابقة من تاريخ العمل الإسلامي، حيث كان كبارنا من الرعيلين الأول والثاني يتجنبون الظهور، ويزهدون في توثيق محطات مسيرة العمل الإسلامي في لبنان، "فالعمل خالص لله، ولا وقت للانشغال بالإعلام والظهور". 

وبعد حالة الانفتاح التي عاشتها ساحتنا، والحرية التي تمتعت فيها.. ومع انطلاق الثورة الإلكترونية المتمثلة بشكل أساسي بمواقع التواصل الاجتماعي (فايسبوك، تويتر)، انفتحت الساحة الإسلامية على هذه الوسائل التي باتت مكوّناً أساسياً في ثقافة المجتمع، بهدف توظيفها لخدمة الدعوة.. وهذا لا شكّ أمر طيب، بأن يحسن الدعاة والمؤسسات الإسلامية استثمار هذه المساحة التفاعلية، للتواصل مع الجمهور واستقطابه والترويج للأنشطة، فضلاً عن نشر الكلمة الطيبة، وتظهير الموقف الإسلامي من الأحداث. 

فالشيخ الذي كان يعطي درساً في مسجد يحضره عشرون أو ثلاثون شخصاً، بات بإمكانه الآن أن يكتب فكرة قصيرة وينشرها على صفحته الشخصية، فيقرأها الآلاف.. وبعد أن كنا ننتظر صدور الصحيفة الأسبوعية لنطّلع على أنشطة ساحتنا الإسلامية، بتنا نواكب النشاط وقت انعقاده لحظة بلحظة، خبراً وصورة. 

وفي غمار هذا الاستثمار الحسن لتلك الوسائل، وقع البعض في فخّ الإفراط باستخدام آلية التواصل هذه، لتنقلب من وسيلة إلى غاية.. حيث بات ذهن "هذا البعض" ينصرف باتجاه نشر الخبر أو الصورة على الصفحات الشخصية أكثر من الاهتمام بالحدث نفسه. 

فبعد أن كنا سابقاً نهتم بالإعداد للنشاط، ويتوقف جهدنا عند انتهائه، زاهدين بالتغطية والتعميم الإعلامي، وهذا خطأ لا شك، بتنا نهتم أحياناً بالتغطية الإعلامية على حساب النشاط نفسه.. وهذا خطأ أكبر. 

والمشكلة تكبر إذا كان الموقف تعبّدياً، الأصل فيه الانعتاق من الدنيا.. فإذا بنا نشاهد "الداعية" الحاجّ أو المعتمر يلتقط صورة له وهو يؤدي المناسك، وأخرى وهو يرفع يديه مبتهلاً إلى الله عند الكعبة المشرفة! ونشر مرة أحدهم على صفحته الخاصة نصّ الدعاء الذي دعا به الله عزّ وجلّ أمام الكعبة! 

والأمر نفسه مع مؤسسات تربوية إسلامية، حيث يتحول قيام الليل والجلسة القرآنية، إلى "نشاط" يجري تصويره ثم تعميمه على الإعلام. 

وأتابع بسرد بعض المواقف الواقعية للتدليل على المبالغة باهتمام بعض العاملين في الحقل الإسلامي في التعاطي مع وسائل التواصل الاجتماعي.. متحدثاً حصراً عن ساحتنا الإسلامية في لبنان، بشقّيها اللبناني والفلسطيني: 

- مسؤول مركزيّ يطلب من مرافقه تصويره مع ضيفه الزائر، ثم يقوم بنشرها على صفحته الشخصية بشكل فوريّ، قبل أن يقوم الضيف من مجلسه! 

- قياديّ كبير في حركة إسلامية خلال زيارة تاريخية لغزّة، ينشر على صفحته الخاصة على الفايسبوك حركة الوفد لحظة بلحظة: "وصلنا الآن إلى معبر كذا.. قطعنا المعبر.. استقبلنا الناس..."! 

- عند دفن أحد علمائنا الكبار، وبعد أن قام الشيخ بإنزال الجثمان إلى القبر وتلحيده، طلب ممن فوقه أن لا يهيلوا التراب، ثم أخرج هاتفه الخليوي من جيبه، وقام بتصوير الراحل في قبره مكشوف الوجه! 

- وفي صورة كنت أتمنى لو يتاح نشرها هنا، لقاء علمائي استثنائي لمعالجة مشكلة كبيرة في بلدة بقاعية، يظهر فيها حوالي عشرة مشايخ، أربعة منهم منشغلون بهواتفهم الخليوية. 

وأختم بالقول، لقد قامت هذه الدعوة المباركة بإخلاص رجال نذروا حياتهم لها، تعرضوا للمحَن، وهجروا بيوتهم أياماً وشهوراً، وتركوا دفء المسكن مع الزوجة والأولاد، وسهروا الليالي.. يبذلون من أجل دعوتهم، دون أن يعرف بهم أحد. واليوم بات بعضنا لا يقوم بحركة، دعوية أو حركية أو سياحية، إلا ويحرص على نشرها على صفحته الشخصية. 

نعم نحن نريد أن نتجاوز ثقافة "الدروشة والزهد" في إعلامنا الإسلامي.. والإعلام بات هو السلطة الأولى في حياتنا، هذا صحيح.. وعلى ساحتنا الإسلامية أن تتدارك التقصير فيه وتبذل جهدها لتطوير أدائها فيه.. 

لكننا، نريد أن نوظف الإعلام في خدمة دعوتنا، لا أن يأسرنا الإعلام. 

وعلينا أخيراً أن نراعي خصوصية بعض اللحظات الاستثنائية، التي تفسد صفاءها الصورة.